لم يعد بإمكان قادة العدو الإسرائيلي القفز فوق حقيقة باتت مسلمة في الساحة الإسرائيلية، وهي أن فشل الحكومة في مواجهة انتشار فيروس «كورونا» لم يعد فشلاً صحياً ينطوي على تداعيات اقتصادية هائلة فحسب، بل أخذ يتحول إلى إخفاق استراتيجي قارنه وزير الأمن، بيني غانتس، وقبله العديد من الخبراء، بإخفاق إسرائيل في الاستعداد لـ«حرب تشرين» 1973. يبدو أنّ ذلك يعود إلى غياب الفهم للمؤشرات الدالة على هذا التهديد وحجمه، ولم تستعدّ إسرائيل في ضوء ذلك لمواجهته، رغم أنه كان بإمكانها فعل ذلك من جراء ما تتمتع به من إمكانات. فبعدما أخفقت الإجراءات الحكومية في كبح «كورونا»، اضطرت على وقع التقارير الرسمية الصادمة حول المسار التصاعدي للمصابين والمتوفّين إلى إغلاق اقتصادي واسع، رغم تحذير الخبراء من المفاعيل الهائلة على الاقتصاد، وضمنها أن نسبة البطالة ستبلغ مع نهاية العام الجاري مستوى غير مسبوق، كما سيتفاقم الانكماش نحو السيناريو الأسوأ الذي كانوا يتخوفون من نتائجه. وجرى التحذير أيضاً من ارتفاع نسبة الدين العام بعدما جهدت إسرائيل خلال عقد من أجل تخفيضه.

في هذه الأجواء، رأى غانتس، خلال مراسم إحياء ذكرى قتلى «حرب يوم الغفران» في جبل «هرتسل»، أنه «يجب الاعتراف بصراحة (أنه في) هذه المرة أيضاً ضُبطنا غير مستعدين. استنزفنا منظومتنا الصحية على مدى سنوات. لم نستجب لكورونا كما يجب. هذه المرة أيضاً الثمن الذي دفعناه وندفعه في حياة الإنسان باهظ جداً». وفي هذا ما يدلّ على أنه لم يكن بإمكان المؤسسات السياسية والأمنية تجاهل التقارير الرسمية التي حذَّرت من المسار التصاعدي في نسبة المصابين والمتوفين، خاصة بعد كشف تقرير صادر عن «مركز المعلومات لمكافحة كورونا» و«شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية» (أمان)، أنه «لا يزال عدد المرضى الجدد يومياً في المتوسط الأسبوعي في إسرائيل هو الأعلى في العالم نسبة إلى عدد السكان»، وأنه «للمرة الأولى تجتاز إسرائيل الولايات المتحدة في عدد المتوفين يومياً من كورونا نسبة إلى عدد السكان».
وفق التقرير نفسه، بلغت نسبة الوفيات بسبب كورونا في كيان العدو نحو 3.7 لكل مليون نسمة، في حين أن هذه النسبة في الولايات المتحدة هي 2.25 حالة لكل مليون (بحسب «المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض»)، كما أنه في عدد من الدول الأوروبية النسبة أقل من ذلك. والمشكلة بالنسبة إلى سلطات العدو أن التقديرات تُرجّح استمرار التصاعد في عدد الإصابات في المدى المنظور، مع اقتراب بعض المستشفيات من عتبة طاقتها الاستيعابية. ومن أبرز المواقف التي تؤشر على استمرار الإغلاق الناتج عن اتساع الجائحة موقف رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي أوضح على «فايسبوك» أن «الإغلاق سيستمر شهراً وربما أكثر بكثير»، لافتاً إلى أنّ ذلك مرتبط بأهداف ومقاييس تُحدّد وقت الإغلاق. وطبقاً لتحليل مركز المعلومات الإسرائيلي، سيستغرق خفض عدد الإصابات اليومي إلى 400 أكثر من ثلاثة أشهر.

اجتازت إسرائيل الولايات المتحدة في المتوفين يومياً نسبة إلى عدد السكان


على المستوى الأمني، قرر رئيس أركان جيش العدو، أفيف كوخافي، فرض حظر على عودة الجنود إلى بيوتهم لشهر، في محاولة للحد من انتشار الفيروس في صفوف الجيش، قائلاً إن «هذا الأمر ضروري من ناحيتين: الأولى الحفاظ على كفاءات الجيش من أجل تنفيذ مهماته الأمنية، والثانية الحفاظ على قدرة الجيش في المساعدة الواسعة التي يقدمها إلى الجهات المدنية». مع ذلك، تبقى التداعيات الأكثر حضوراً بصورة مباشرة وفورية لدى الجمهور والقيادات هو أن جهات مختصة تُحذِّر من أن الاقتصاد الإسرائيلي على أبواب «هزة غير مسبوقة»، خاصة أن ما كان سيناريوات سيئة تقدرها الجهات المختصة صار واقعاً، بل بات التخوف مما هو أسوأ لجهة نسبة البطالة والعجز المالي وارتفاع الدين العام.
ولا تقتصر المخاوف على الخسائر الاقتصادية التي تبلغ نحو 20 مليار شيكل (ما يعادل 5.76 مليارات دولار) حتى منتصف تشرين الأول/أكتوبر. فما هو أخطر، من ناحية إسرائيل، أن حصيلة الاقتصاد مع نهاية العام الجاري ستكون أقرب إلى التقديرات الأسوأ، وتحديداً من جراء الإغلاق الثاني، مع ترجيحات بأن تتعاظم الأزمة الصحية مع نهاية الخريف وبدء الشتاء. وبحسب تقديرات وزارة المالية، سينكمش الاقتصاد بنسبة 7.2%، وهي أعلى نسبة بين التقديرات المتداولة. وفي المقابل، كان «بنك إسرائيل المركزي» يقدّر نسبة الانكماش بـ4.5% في أحسن الأحوال، و7% في الأسوأ. وفي ما يتعلق بعجز الموازنة العامة في العام الجاري، تذهب تقديرات وزارة المالية إلى تبني نسبة غير مسبوقة تصل إلى 13.4% من حجم الناتج العام، والمخاوف من أن يتواصل هذا العجز في العام المقبل، علماً بأنها نسبة أكبر بثلاثة أضعاف من معدل عجز الموازنة في السنوات الأخيرة. وسيؤدي ارتفاع العجز إلى ارتفاع حجم الدين العام بصورة حادة من 60% مع نهاية 2019 إلى ما بين 75% حتى 78% من حجم الناتج العام مع نهاية 2020.
مع ذلك، تمر التداعيات الاجتماعية لتفاقم الأزمة الاقتصادية عبر ارتفاع نسبة البطالة التي تمثل الضربة الأصعب للاقتصاد الإسرائيلي، إذ تُقدِّر وزارة المالية أن تبلغ مع نهاية العام الجاري 13,6%، إضافة إلى تداعيات أخرى تتمثل في تراجع القوة الشرائية، وتراجع الإنتاج، وارتفاع نسب الفقر. وكما الحال في كل القضايا والتحديات، يجري التوظيف السياسي في كل الاتجاهات؛ فمن جهة، يحاول نتنياهو استغلال تفاقم الوضع الصحي لفرض حالة طوارئ تمنع التظاهرات ضده، ومن جهة مقابلة، تتصاعد الانتقادات التي تحمّل الحكومة، وعلى رأسها نتنياهو، مسؤولية الفشل في مكافحة «كورونا». وفي هذا الاتجاه، تتوالى المواقف المحذرة من تداعيات الفشل المدوي للحكومة بشأن الفيروس، الأمر الذي قارنه العديد من الخبراء المختصين بفشل إسرائيل في توقّع «حرب تشرين» والاستعداد لها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا