بؤرة أزمةٍ جديدة ظهرت هذه المرّة في آسيا الوسطى، وتحديداً في قرغيزستان، بعد صدور نتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت يوم الأحد الماضي، ونتج منها فوز أحزاب السلطة، المحسوبة على الرئيس سورونباي جينبيكوف، الموالي لروسيا. أزمةٌ تتشابه في حيثياتها مع ما جرى في بيلاروسيا، بعد فوز ألكسندر لوكاشنكو بولاية رئاسية سادسة، إلّا أنها تبدو متّجهة نحو فوضى أعمق، في ظلّ الشغور الذي خَلّفته استقالة رئيسَي الحكومة والبرلمان، والصراع القائم بين أجنحة المعارضة المتشرذمة على تولّي السلطة.

وتوازياً، يبدو أن الأزمات المتنقّلة لا تنفكّ تلاحق روسيا؛ من بيلاروسيا إلى معارك جنوب القوقاز فضلاً عن الضعوط التي يمارسها الاتحاد الأوروبي في قضيّة تسميم المعارض أليكسي نافالني. تراقب موسكو أزمة حليفتها بشكيك، والتي تذكّر بما حدث في عامَي 2005 و2010 حين أطيح الرئيسان آنذاك، ولا سيّما وأن لروسيا قاعدة عسكرية في الجمهورية المجاورة للصين، والبالغ عدد سكانها 6,5 ملايين نسمة. وفي حين تسعى إلى النأي بنفسها عمّا يحدث في البلد الآسيوي، تأمل روسيا، وفق رئيسها فلاديمير بوتين، تسوية «سلمية» للأزمة السياسية في قرغيزستان، التي يواجه رئيسها ضغوطاً بعد إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية وإفراج المعارضة عن خصمه السياسي، الرئيس السابق ألماظ بك أتامباييف. وأكّد الرئيس الروسي «(أنّنا) على تواصل مع جميع أطراف هذا النزاع، وآمل بعد عودة الوضع السياسي الداخلي إلى طبيعته، أن نواصل تنفيذ كلّ خططنا مع قرغيزستان».

شارك 16 حزباً في الانتخابات البرلمانية ورفض 11 منها قبول النتائج


انزلقت قرغيزستان إلى مزيدٍ من الفوضى مع محاولات فصائل متنافسة مِن المعارضة الاستيلاء على السلطة؛ وبعد ليلةٍ عمّتها الفوضى في العاصمة بشكيك حيث قام محتجّون محسوبون على أحزاب المعارضة باقتحام مقارّ حكومية، وما أعقب ذلك من استقالة حكومة رئيس الوزراء كوبات بك بورونوف، ورئيس البرلمان دستانبيك جومابيكوف، وإلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية، لم تنجح مساعي التهدئة في لجم المحتجّين الذين أطلقوا سراح شخصيات بارزة من المعارضة، من بينها الرئيس السابق ألماظ بك أتامباييف، والسياسي القومي الشعبوي صدر جباروف، رئيس حزب«ميكينشيل» الذي أعلن نفسه رئيساً للحكومة بعد أقلّ من 24 ساعة على إطلاق سراحه. وأُعلن جباروف رئيساً للحكومة بالإنابة في خلال جلسة برلمانية استثنائية عُقدت في فندق بعد سيطرة المحتجّين على مبنى البرلمان، بينما اقترحت ثمانية أحزاب معارضة، اجتمع ممثّلوها في مقرّ الحكومة لحلّ الخلافات في ما بينها، أن يتولّى تيليك توكتاغازييف، المقاول البالغ 29 عاماً، رئاسة الحكومة الموقّتة حتى إجراء انتخابات جديدة. ولا يلوح في الأفق أيّ مؤشر عمّا إذا كان جينبيكوف، الذي لم يظهر في العلن منذ اندلاع الاضطرابات، يعتزم المصادقة على تعيين جباروف بعد استقالة بورونوف. وقال جباروف إن على رئيس الدولة أن يستقيل من أجل «تسوية الوضع»، واصفاً اجتماع الأحزاب المعارضة في مكتب رئيس الحكومة بـ«المناهض للثورة»، وملمّحاً إلى احتمال تفاقم الوضع.
وشارك 16 حزباً في انتخابات الأحد، بينما رفض 11 منها قبول النتائج التي أظهرت سيطرة حزبين مواليين للرئاسة، هما «بيريمديك» و«مينيكيم قرغيزستان»، على البرلمان المكوّن من 120 مقعداً، وخروج ثلاثة أحزاب لم تتخطّ العتبة البرلمانية منه. ومع تزايد الاحتجاجات، أعلنت ثلاثة أحزاب اضطلاعها بالقيادة، وفي مقدّمتها «مجلس التنسيق» الذي تأسّس الثلاثاء، ويضمّ أحزاباً سياسية قائمة ومعارِضة لجينبيكوف. وظهر، أول من أمس، فصيل آخر يطلق على نفسه اسم «مجلس التنسيق الشعبي»، شكّلته خمسة أحزاب معارضة أصغر، لم يتولّ زعماؤها أيّ مناصب حكومية كبيرة، ودعا إلى تطهير النخبة، بعدما رفض الاعتراف بحكومة جباروف الموقّتة، معلناً اضطلاعه بجميع سلطات الدولة وحلّ البرلمان. وعلى رغم تنافس أحزاب المعارضة على تولّي السلطة، التزمت الأحزاب المرتبطة بمؤسسات الدولة والتي أُعلن فوزها في الانتخابات، الصمت، بعد دعوة جينبيكوف أنصاره إلى عدم مواجهة المحتجّين لتفادي التصعيد.



أميركا «مع الشعب»


حضّت الولايات المتحدة كلّ الأطراف في قرغيزستان على ضبط النفس وإيجاد حلّ سلمي للأزمة، مبديةً قلقها حيال ممارسات شابت الانتخابات، وأدّت إلى الاحتجاجات المُندلعة. ودعت وزارة الخارجية الأميركية، على لسان ناطقٍ باسمها، كلّ الأطراف إلى «نبذ العنف وحلّ النزاع القائم حول الانتخابات بالوسائل السلمية»، مشيرةً إلى أن بعثة مراقبة مدعومة من «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا» خلصت إلى «معلومات ذات صدقية عن عمليات شراء أصوات شابت الانتخابات». وتابع الناطق: «على الشعب القرغيزي أن يتخّذ قرارات في شأن مستقبله، وتشكيل حكومته، وكيفية تنظيم الانتخابات وموعدها»، مؤكّداً دعم واشنطن لسيادة شعب قرغيزستان وديمقراطية الحكم في البلاد.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا