تجمّع آلاف التشيليين في ساحة "بلازا إيطاليا" في سانتياغو، مركز الاحتجاجات التي شهدتها البلاد العام الماضي، ليحتفلوا بنتيجة الاستفتاء على صياغة دستور جديد للبلاد، سينهي العمل بآخر موروث من عهد الديكتاتور أوغستو بينوشيه (1973 ــ 1990). استبدال الدستور، مثّل أحد أبرز مطالب الحراك الشعبي الذي انطلق يوم 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، احتجاجاً على رفع أسعار بطاقة مترو الأنفاق، لتتّسع في ما بعد إلى موجة غضب استهدفت الرئيس المحافظ سباستيان بينيرا ونظامه. إلى الدستور الذي لا يقرّ بمسؤولية الدولة عن الخدمات الاجتماعية، مثل التعليم والخدمات الصحية وغيرهما، ركّز المحتجّون على النظام الاقتصادي الليبرالي المعتمَد في البلاد، والذي أدى إلى نشوء هوة اجتماعية كبيرة. وعلى رغم الإصلاحات الدستورية، ظلّت شرعية الدستور موضع تشكيك لدى كثيرين، بسبب جذوره، وتقييده لدور القطاع العام لمصلحة خصخصة قطاعات الدولة كافة. من جهتهم، أصرّ معارضو الاستفتاء على أن "الدستور الحالي هو الذي أسهم في جعل تشيلي واحدة من أكثر الاقتصادات الحرّة استقراراً في أميركا الجنوبية".

في البداية، أظهر الرئيس التشيلي موقفاً متشدداً إزاء الاحتجاجات، إذ اعتبر أن بلاده باتت في «حالة حرب ضدّ عدوّ قوي لا يرحم». لكنّه اضطرّ، تحت الضغط، إلى اعتماد أسلوب أقلّ حدة: التقى زعماء المعارضة، وأعلن سلسلة من التدابير الاجتماعية الجديدة، بما في ذلك زيادة طفيفة في الحدّ الأدنى للأجور، واعتذر عن "قصر نظر" القادة السياسيين. اتسعت دائرة الإصلاحات لتشمل تأليف حكومة جديدة تستجيب لمطالب المتظاهرين، وصولاً إلى إعلان بينيرا موافقة الأحزاب السياسية في بلاده على استفتاءٍ حول استبدال دستور حقبة بينوشيه، حُدد موعده، بدايةً، في نيسان/ أبريل الماضي، إلا أنه أرجئ إلى الـ 25 من الشهر الجاري، على خلفية التدابير الوقائية لمكافحة وباء "كورونا".

بلغت نسبة التأييد لدستور جديد 78% من الأصوات


أُجري الاستفتاء أول من أمس، وجاءت نتيجته مُرضية بالنسبة إلى التشيليين، ومطابقة لاستطلاعات الرأي التي أشارت، على مدى الأسابيع الماضية، إلى تقدّم مؤيّدي صياغة دستور جديد بغالبية الثلثين. وفقاً للنتائج الأولية، والتي شملت نحو 70% من مراكز الاقتراع، بلغت نسبة التأييد لدستور جديد 78% من الأصوات، مقابل 22% رفضت هذا الخيار. ودُعي حوالى 14 مليون ناخب إلى الإجابة عن سؤالين هما "هل تريد دستوراً جديداً؟" و"أيّ هيئة يُفترض أن تقوم بصياغة الدستور الجديد؟". وكان ممكناً الاختيار بين "مؤتمر دستوري مختلط" مكوّن من مواطنين وبرلمانيين منتخبين، و"مؤتمر تأسيسي" مؤلّف بالكامل من المواطنين. وبعدما دعا إلى التصويت بكثافة، آملاً تحقيق "مصالحة وطنية"، قال الرئيس التشيلي، أمس، إن "الدستور قسمنا. بدءاً من اليوم، علينا أن نعمل كلنا معاً، حتى يكون الدستور الجديد مساحة للوحدة والاستقرار والمستقبل".
ورأى العديد من الخبراء أن إقرار دستور جديد "سيحلّ مشكلة عدم المساواة في تشيلي، وسيحقّق رغبة التشيليين في التغيير"، معتبرين أن "الاستمرار في دستور بينوشيه من شأنه أن يعمّق الأزمة السياسية، ويزيد من حدّتها". وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة سانتياغو، مارسيلو ميلا، إن "الهدف الأول من هذه العملية الدستورية كان الخروج من ظلّ ديكتاتورية بينوشيه، للحصول على دستور جديد من دون الخطيئة الأصلية المتمثلة في صياغته تحت الإكراه"، بينما يتمثّل الهدف الثاني في "ضمان القدرة على حلّ المشاكل التي أصبحت بنيوية وتشلّ عمل الديموقراطية التشيلية بالوسائل السياسية والسلمية، مثل عدم المساواة والإقصاء". يتّفق هذا الرأي مع رؤية مؤيّدي تبنّي دستور جديد، والمنتمين إلى الوسط واليسار، والذين صوّتوا بـ"أنا أوافق"، بهدف "إزالة عقبة أساسية أمام الإصلاحات الاجتماعية العميقة".

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا