على رغم تنديد الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، المتكرّر بالانتهاكات التي يمارسها القصر البحريني تجاه المعارضين، فقد تَمكّن القصر من صدّ تلك الإدانات اعتماداً على السند القادم من أبو ظبي والرياض، والجناح المتشدّد ضدّ إيران في واشنطن. لكن السند الأهمّ كان ولا يزال ينبع من العلاقة الوطيدة التي تربط القصر بوزارة الدفاع (البنتاغون)، اللاعب المحوري في صياغة الاستراتيجية الأميركية تجاه المنامة، ما يجعل من ساكن البيت الأبيض ومندوبيه أقرب إلى شهود عيان، أو مُعبّرين عن تمنّيات، أكثر من قدرتهم على وضع سياسة قابلة للتنفيذ، إذا ما تَعلّق الأمر بما يجب على المنامة القيام به، وليس أوضح من ذلك سماح "البنتاغون" للقوات السعودية بالتوغّل في البحرين في عام 2011، خلاف دعوات الدبلوماسيين الأميركيين (راجع مقال: التوغّل السعودي في البحرين: لا إجابات في رسائل هيلاري). وعموماً، يلعب "البنتاغون" الدور الأكبر في صياغة رؤية واشنطن تجاه عدد من الدول الخليجية، خصوصاً تلك التي تستضيف القواعد الأميركية، بما في ذلك قطر، التي نجت من غزو عسكري في صيف 2017 بـ"فضل" علاقاتها العميقة مع "البنتاغون"، الذي يُقدّر جنرالاته للدوحة استضافة قوات جوية ضخمة في قاعدة العديد.

حالياً، تترقّب المنامة وعواصم دولية أخرى تعيين سفير أميركي جديد من قِبَل الرئيس المنتخب جو بايدن. ولن تَكشف هوية السفير الجديد، بالضرورة، ملامح سياسة واشنطن، بقيادة الديموقراطيين، تجاه حليفها الذي تراه واقعاً بين فَكّي كماشة في الخليج: إيران والسعودية؛ ذلك أن البعثة الدبلوماسية الأميركية تحظى بأهمية متواضعة نسبياً لدى القصر البحريني، وتسهم بدرجة أقلّ في رسم سياسة واشنطن تجاه المنامة، مقارنة بالمكانة العليا والدور الأساسي الذي يلعبه الجنرالات القابعون في قيادة الأسطول الخامس، الذي يَتّخذ من المنامة مقرّاً له. ولا يوجد سفير أميركي في الجزر الصغيرة، منذ انتهت مهمة جستن هيكس سيبريل في الصيف الماضي، وهو السفير الذي عَيّنه الرئيس الخاسر في الانتخابات، دونالد ترامب، وصدّق عليه مجلس الشيوخ الأميركي في أيلول/ سبتمبر 2017. وتقوم آيمي كاترونا بدور السفير، وهي رسمياً تحمل صفة نائب السفير.

جرت إبّان عهد أوباما أعظم الانتهاكات من قتل المعارضين إلى حلّ الجمعيات السياسية


ومنح حمد بن عيسى، ملك البحرين، السفير السابق سيبريل وساماً من الدرجة الأولى مع انتهاء فترة عمله في تموز/ يوليو الماضي، وهو وسام لم يُمنح لسفيرَين عَيّنهما أوباما، وسفراء أميركيين آخرين، بعضهم عانوا من المراقبة أو التضييق أو التهميش من قِبَل "حكومة دولة حليفة وصغيرة"، وهو أمر لا بدّ أن يَشدّ الانتباه. لذا، يمكن اعتبار الوسام البحريني المُقدَّم إلى آخر سفير أميركي نوعاً من التقدير لسياسة ترامب، الذي سيغادر منصبه في كانون الثاني/ يناير المقبل، والذي منح الملك البحريني ضوءاً أخضر لتعقّب القوى البحرينية المعارِضة والفتك بها، وذلك في الاجتماع الذي جمع الرجلين في أيار/ مايو 2017 في الرياض، وأعقبه انقضاض القوات الأمنية البحرينية على الاعتصام المقام أمام منزل الزعيم الروحي للغالبية الشيعية في البلاد، آية الله عيسى قاسم، الذي سُحبت جنسيته في 2016، وهو مقيم في إيران منذ شباط/ فبراير من العام الماضي. ولم يكن لسياسة ترامب أن تبلغ منتهاها لو جوبهت بـ"فيتو" من قِبَل قيادة الأسطول الخامس.
وعلى سبيل المقارنة، يلفت أن أوباما كان قد عَيّن، في 2011، الدبلوماسي توماس كراجيسكي، سفيراً في المنامة، علماً بأن الأخير اتّسمت علاقته بالتوتر مع القصر البحريني، مذ قال: "إن أحداث فبراير ومارس 2011 قام بها بحرينيون يُعبّرون عن رأيهم، ولم نرَ أيّ دليل على تحريض إيراني، والحركة الاحتجاجية وليدة البحرين، لكننا قلقون من استغلال الإيرانيين لها"، وهي تصريحات أدلى بها كراجيسكي أثناء جلسة استماع تقليدية تسبق اعتماد سفراء واشنطن في الخارج، عُقدت في مجلس الشيوخ في تشرين الأول/ أكتوبر 2011. وعكست تلك التصريحات رؤية إدارة أوباما، التي اعتادت توجيه نقد للانتهاكات الحقوقية التي تمارسها الأجهزة السياسية والأمنية البحرينية تجاه المعارضة، ودأبت على الدعوة إلى ما يسمى حواراً توافقياً. بيد أن القصر البحريني، الذي شعر بوطأة الضغط القادم من البيت الأبيض، كان قادراً على صدّ تلك الإدانات وطلبات الحوار "الأوبامية"، في دلالة على عدم قدرة الرئيس ووزير خارجيته ودبلوماسييه على الانفراد بتحديد المسارات تجاه الشأن البحريني.
لذا، جرت، إبّان عهد أوباما، أعظم الانتهاكات في البحرين، من قتل المعارضين، إلى حلّ الجمعيات السياسية؛ فقد كان القصر قادراً على الفتك بالمعارضين في ضوء ارتكازه على المحور السعودي و"البنتاغون". وقد يفسّر ذلك أن السفراء الأميركيين في المنامة عرضة للتنمّر من حكومة دولة صغيرة. فقد تَعرّض كراجيسكي للتوبيخ العلني مرّات، وتمّت المناداة بطرده طوال فترة عمله التي امتدت إلى 2014. وخلاف المعتاد، لم يَتسلّم ملك البحرين أوراق اعتماد سفير أوباما الثاني، وليام روبك، الذي خدم بين 2015 و2016، وبطبيعة الحال لم يمنحه وساماً. وتعامل روبك بحذر مع المعارضة خشية غضب القصر، فيما كراجيسكي لمّا حاول التمييز بين العنف والتظاهر السلمي فاقم غضب القصر. بيد أن نداءاته ظلّت أقرب إلى تلك البيانات التي تصدرها "منظمة العفو الدولية"، المزعجة للحكومة، لكنها غير القادرة على التحوّل إلى سياسة على الأرض. وفي أوضح الصور لتدنّي مكانة الدبلوماسيين الأميركيين مقارنة بالعسكريين، طَرَد القصر البحريني، في عام 2014، في وضح النهار، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون العمل والديمقراطية وحقوق الإنسان، توم مالينوسكي، ما يُجدِّد السؤال عن مدى قدرة الدبلوماسية الأميركية على إحداث فرق من دون اقتناع قادة الأسطول الخامس.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا