التقدّميون في الحزب الديموقراطي لن يُغيّروا أجندة الإدارة القادمة

الصراع على النفوذ الإقليمي مع إيران سيستمرّ

على رغم الابتهاج بهزيمة دونالد ترامب الانتخابية بين شعوب منطقتنا التي زادت سياساته العدوانية والاستفزازية من شقائها، فإن الحذر يُخيّم على موقف غالبية وازنة حيال تلك التي ستعتمدها إدارة ديموقراطية قادمة، تحتلّ فيها مؤيّدة متحمّسة لإسرائيل موقع نائبة الرئيس. رشيد الخالدي، المؤرّخ والمفكّر الفلسطيني، والأميركي المولد، وأحد أبرز الخبراء في السياسة الخارجية الأميركية حيال منطقتنا، يرى، في مقابلة مع «الأخبار»، أن التغييرات التي قد تطرأ على هذه الأخيرة تجاه بعض الملفات والبلدان لن تطال أهمّ ثوابتها، وهو الانحياز الكامل لإسرائيل، والسعي إلى تثبيت تفوّقها النوعي على بقية دول المنطقة، خاصة تلك المعارِضة لهيمنتها. للخالدي، الحائز «كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية المعاصرة» في جامعة كولومبيا، ومدير «مجلة الدراسات الفلسطينية» في الولايات المتحدة، مجموعة من الكتب المرجعية عن القضية الفلسطينية والسياسة الأميركية، وآخرها «حرب المئة عام على فلسطين. الاستعمار الاستيطاني والمقاومة».

الشرخ العميق الذي تبدّى خلال الانتخابات، أظهر بالفعل وجود «أميركتين». عن هذا الشرخ وخلفياته الاجتماعية والسياسية، يقول رشيد الخالدي إن «ترامب حصل على حوالى 71 مليون صوت، بينما حصل بايدن على أكثر من 75 مليوناً، بحسب آخر المعطيات المتوافرة، ما يعني أننا أمام انتصار ساحق مع فارق بـ5 ملايين صوت. بعض التقديرات تفيد بأن بايدن سيحصل على أكثر من 80 مليوناً من الأصوات. رفض ترامب القبول بنتائج الانتخابات سيتسبّب في أزمة دستورية لا مثيل لها في التاريخ الأميركي. فموقفه وتأثيره الكبير على أنصاره سيُدخلان الولايات المتحدة في مثل هذه الأزمة التي قد تمتدّ زمنياً. هي تكشف الشرخ بين أميركا بايدن، أي سكّان المدن والضواحي والساحلين، وحَمَلة الشهادات والأقلّيات والقسم الوازن من النساء، وبين أميركا ترامب، أي سكّان المناطق الشاسعة بين المدن في القارة الأميركية، وفي غالبها ريفية، والرجال وغير الحاملين للشهادات والقطاع الأوسع من المتديّنين ومن العنصريين ومن المعادين لنخب الساحلين الشرقي والغربي. عَزّز ترامب، من خلال حملاته الإعلامية التحريضية عبر فوكس نيوز، وهي أهمّ قناة إخبارية في أميركا، هذا الشرخ وعَمّقه». هل ستكون لهذا الشرخ تداعيات على السياسة الخارجية للإدارة الديموقراطية القادمة؟ «في غالب الظن، سنرى إدارة ديموقراطية ستعتمد السياسة الخارجية المعتادة للفئة المسيطِرة على هذا الحزب، أي سياسة تدخّل خارجي، واستخدام لقوة الولايات المتحدة للضغط على دول أخرى، واستئناف للعمل من خلال المؤسسات الدولية، وعودة لاتفاق باريس حول المناخ وللمفاوضات مع روسيا حول الأسلحة النووية وللاتفاقيات المختلفة حول التجارة، وهي مواقف معهودة للحزب الديموقراطي وحتى للحزب الجمهوري قبل سيطرة ترامب عليه».

العلاقات مع أنظمة الملكيّات المطلقة ستَتغيّر في ظلّ إدارة ديموقراطية


يعتقد البعض في منطقتنا أن إدارة بايدن ستتمايز في مقاربتها لملفَّين رئيسين، هما القضية الفلسطينية وإيران، عن تلك التي تَبنّتها إدارة ترامب. بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، الإشارات الأولى الصادرة عن فريق بايدن ليست إيجابية، لأن كامالا هاريس، التي اختيرت نائبة للرئيس الأميركي، شديدة الانحياز لإسرائيل. ربّما يكون من المبكر الجزم بما ستكون عليه سياسة هذه الإدارة بكلّ تفاصيلها قبل تشكيلها، ولكن هل من الممكن حالياً استشراف عناصر الاختلاف و/أو الاستمرارية بين هاتين المقاربتين؟ يعتقد الخالدي أن «تعاطي الإدارة القادمة مع الملف الفلسطيني سيختلف عن ذلك المتّبع من قِبَل إدارة ترامب. الديموقراطيون تقليدياً، بِمَن فيهم الفئة المسيطرة على الحزب والمؤيّدة بالمطلق لإسرائيل، كمجموعة هيلاري كلينتون وشاك شومر ونانسي بيلوسي في الكونغرس، وكذلك كامالا هاريس وجو بايدن، دافعوا دائماً عما سُمّي حلّ الدولتين. عارَض الحزب الديموقراطي شكلياً بعض السياسات والإجراءات الإسرائيلية، لكن من دون أن يقود ذلك إلى قطع المساعدات عن المستوطنات على سبيل المثال، أو إلى فرض عقوبات على إسرائيل عندما تقوم بتوسيع هذه المستوطنات أو ببناء أخرى جديدة. لم تَتّخذ أيّ إدارة أميركية، ديموقراطية أو جمهورية، خطوات كهذه. ولكن من الناحية الشكلية، قد تعيد إدارة بايدن افتتاح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، وتُجدّد المساعدة لوكالة الأونروا، وستسعى لتعويم السلطة الفلسطينية». بكلام آخر، سنعود إلى سياسة الخداع التي تَحدّثتم عنها في كتابكم «عرّابو الخداع»؟ «تماماً. مفاوضات بلا معنى على أسس منحازة لإسرائيل لا تسمح بالوصول إلى دولة فلسطينية مستقلّة وذات سيادة. سيستمرّ كذلك دعم إسرائيل من خلال تأييد التطبيع الجاري مع أنظمة في الخليج ومع بلدان عربية أخرى. هنا، لن نجد تمايزاً عن سياسة ترامب. أهمّ من ذلك كله، الدعم العسكري لإسرائيل، والذي سيستمرّ، وكذلك التأييد الكامل وغير المشروط لها في الأمم المتحدة».
الخلاف الأميركي الجوهري مع إيران يتمحور في الواقع حول تطويرها لقدراتها العسكرية والصاروخية ومساعدتها لحلفائها في هذا المجال، وما ينجم عن ذلك بالإجمال من تحوّل تدريجي في ميزان القوى لغير مصلحة إسرائيل. انسحب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران نزولاً عند رغبة إسرائيل وحلفائها في الداخل الأميركي. هل ستعود الإدارة القادمة إلى الاتفاق النووي بصيغته الأصلية؟ وكيف ستتعامل مع شبكة تحالفات إيران الإقليمية؟ «أعتقد أن خلافات ستبرز في الإدارة القادمة بين مَن يقول بضرورة العودة إلى الاتفاق بصيغته الأصلية، والأكيد أن الأوروبيين وغيرهم سيُشجّعون هذا الرأي، وبين مَن يرى ضرورة تعديل الاتفاق ليشمل البرنامج الصاروخي وقضايا أخرى. لا أعرف مِن الآن الخيار الذي ستأخذ به الولايات المتحدة. علينا أن نعرف قبل ذلك مَن سيُعيّن في المناصب والمراكز الحسّاسة في الإدارة والمؤسّسات. نعلم أن طوني بلينكن سيصبح ربما مستشاراً للأمن القومي، وأن جايك ساليفن سيكون له أيضاً دور مهمّ. لكن علينا أن نطّلع على هوية الذين سيصلون إلى عشرات المناصب العليا الأخرى في وزارتَي الخارجية والدفاع، وفي أجهزة الاستخبارات، قبل تقديم تقدير للموقف أكثر دقة. لكن، وفي ما يتعلّق بالشق الثاني من السؤال، وعلى رغم رغبة إدارة بايدن في حلّ النزاع حول الملف النووي مع إيران، فإن من المستحيل أن تُسلّم هذه الإدارة بما تَعتبره توسّعاً للنفوذ الإقليمي لإيران. الصراع على النفوذ الإقليمي مع إيران لن يتوقف، لكنه قد لا يكون عالي التوتر، كما كان أيام ترامب، بل قد ينخفض إلى مستوى متوسط التوتر. الاختلاف عن سياسة ترامب في المنطقة سيَظهر بوضوح في العلاقات مع السعودية والإمارات. لقد ازداد الاستياء الأميركي في مؤسسة السياسة الخارجية تجاه نظامَي هذين البلدين على رغم الترحيب الديموقراطي بعملية التطبيع مع إسرائيل من قِبَل الإمارات والبحرين. لن تنحاز الإدارة الديموقراطية إلى السعودية والإمارات في حربهما على اليمن، ولا إلى الثانية في النزاع الدائر في ليبيا. علينا أن نتذكّر أن زيارة ترامب الأولى، وهي أمر لا سابق له في التاريخ الأميركي، كانت إلى السعودية، وليس كما جرت العادة بعد انتخاب رئيس وقيامه بالسفر الى أحد بلدان الجوار، ككندا أو المكسيك. العلاقات مع أنظمة الملكيّات المطلقة ستَتغيّر في ظلّ إدارة ديموقراطية. لكن، لا بدّ من أخذ نفوذ المجمع الصناعي - العسكري في أيّ إدارة أميركية، وحيوية صفقات السلاح الضخمة التي يعمل على عقدها مع هذا النمط من الأنظمة بالنسبة إلى الاقتصاد الأميركي، بعين الاعتبار. الحفاظ على مستوى من التوتر في الإقليم ضروري بنظر هذا المجمع والنخبة السياسية الأميركية».

ستعتمد الإدارة الديموقراطية السياسة الخارجية المعتادة للفئة المسيطِرة على هذا الحزب (أ ف ب )

يراهن البعض في منطقتنا على التحوّلات التي طرأت في المجتمع الأميركي وفي الحزب الديموقراطي في السنوات الأخيرة، وإمكان تأثيرها على سياسة إدارة بايدن. فالجيل الجديد من القيادات الديموقراطية، كإلهان عمر ورشيدة طليب وألكسندريا أوكاسيو كورتيز، المؤيّد للقضية الفلسطينية والمعادي للسياسات الإسرائيلية، ونظراً إلى الدور الفاعل الذي أدّاه في الانتخابات لمصلحة بايدن، قد يستطيع الدفع باتجاه اعتماد الإدارة سياسة أقلّ انحيازاً إلى إسرائيل. رشيد الخالدي يعتقد من جهته أن «هناك تغييرات حقيقية في مكوّنات القاعدة الشعبية للحزب الديموقراطي، لكن انعكاساتها على سياسة قيادة الحزب قد تتطلّب سنيناً وربّما عقوداً. لن نفاجَأ بانقلاب في مواقفها في 2021! أوّل دليل على ذلك مقابلة أجرتها أخيراً ألكسندريا أوكاسيو كورتيز مع نيويورك تايمز، عَبّرت فيها عن تشاؤمها حيال التعامل العدائي مع التيار التقدّمي الذي تُمثّله. لقد ازداد عدد التقدّميين في الكونغرس في الانتخابات الأخيرة، مع دخول قادمين جدد منهم إليه، اثنان من نيويورك وآخران من سانت لويس وشيكاغو، لكنّهم ما زالوا أقلّية مقارنة بعدد وقوة خصومهم، في الحزب الديموقراطي والحزب الجمهوري، في هذه المؤسسة».

المؤرّخ والمفكّر الفلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا