استسلم بعض النُخب الأميركية للإغراء الليبرالي الذي يمثّله جو بايدن. خيار الرئيس المُنتخَب اعتناق «الخيال الترميمي» فلسفةَ حكمٍ ليس أفضل فكرة، ولا سيما أن عالَم ما قبل ترامب ليس مكاناً أفضل حالاً للعودة إليه. على أن الرغبة الشديدة في محو إرث ترامب يمكن تحليلها كقوّة محرّكة للسياسة التي ستنتهجها إدارة بايدن.

يحتفظ بايدن بقائمة طويلة من الإجراءات التي يأمل اتّخاذها إذا أُتيحت له فرصة تغيير سياسات سلفه. هو قال أصلاً إن «عصر الشيطنة في أميركا» سينتهي على يده. في حديث إلى صحيفة «نيويورك تايمز»، يقول زعيم الأقلية الديموقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، «إذا لم نَقم بتغيير جريء، ربّما ينتهي بنا الأمر مع شخص أسوأ من ترامب بعد أربع سنوات». ما مرَّ مِن تغييرات في العقدين الماضيين، كما يعترف، لم يكن «كبيراً بما يكفي، ولا جريئاً بما يكفي». فكيف يعود بايدن إلى «الصواب» إذا كانت إدارته ستواجه أزمَتين صحية واقتصادية، وأزمة عدالة عرقية، وأزمة مناخ، وأزمة ديموقراطية تمثيلية؟ في أحد السيناريوات، يحلّ كانون الثاني/ يناير، ويفوز الديموقراطيون في الانتخابات الفرعية لمجلس الشيوخ، ما يترك الرئيس المقبل في مواجهة مجلس منقسم (50 مقابل 50). بهذا، سيظلّ نطاق إصلاحاته السياسية محدوداً، ما لم يسعَ إلى القضاء على التعطيل الذي يتطلّب 60 صوتاً في هذا المجلس لسنّ تشريعات رئيسة.
المشكلة الأكثر إلحاحاً التي تواجه الإدارة المقبلة تتمثّل في إدارة الأزمة الوبائية. لكن الحديث عن الكفاءة والركون إلى العلم يتوقّف هنا. احتواء الفيروس وتوزيع لقاحات مجّانية، في موازاة إنعاش الاقتصاد الذي سيتباطأ في الشتاء، يحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات. بالنسبة إلى عشرات الملايين من الأميركيين، جاءت الصدمات الاقتصادية للوباء على رأس عقود من الركود وعدم الاستقرار. فمنذ عام 1989، انخفضت ثروة 50% من الأميركيين العاديين بمقدار 900 مليار دولار. وقبل الوباء، كان 44% مِن العمّال الأميركيين يتقاضون أجوراً سنوية متوسّطة قدرها 18 ألف دولار. وحتّى في حال تمّ عكس معدّلات البطالة المرتفعة، فإنها بالكاد ستصلح سوق العمل الذي يتّسم بطبقية متزايدة.

«كورونا»
ينصبّ تركيز بايدن الأوّل على علاج الأزمة الوبائية، إذ وضع خطّة تقضي بإعداد استراتيجية وطنية «للمضيّ قدماً» في محاربة الفيروس، من خلال سنّ قانون رئيس في الكونغرس لتمويل حملة اختبار وطنية «ستكون نتائجها متاحة على الفور»، وصناعة منتجات ومعدّات طبّية في الولايات المتحدة، وجعل وضع الكمامات إجبارياً في المباني الفدرالية وفي وسائل النقل المشترك بين الولايات (وهو تغيير يقول خبراء الصحة إنه يمكن أن ينقذ آلاف الأرواح، لكن سلطته القانونية لفرضه ليست واضحة)، وتوفير لقاح مجّاني «للجميع» في المستقبل. كذلك، أعلن إنشاء خلية أزمة خاصة بـ»كورونا»، ستضمّ علماء وخبراء، وستكون مكلّفةً بوضعَ «خطّة تَدخل حيّز التنفيذ اعتباراً من 20 كانون الثاني/ يناير 2021»، يوم تنصيبه.

الاقتصاد
يُمثّل التصويت على خطة مساعدات ضخمة لإنعاش الاقتصاد أولوية أخرى لبايدن، الذي يعتمد على قدرته في إقناع الجمهوريين المنتخَبين بكسر الجمود الحالي في الكونغرس. وقدّم بايدن خطة طموحة لإنعاش الإنتاج الأميركي بعد الأزمة الوبائية بقيمة 700 مليار دولار. لتمويلها، ستزيد الضرائب على أغنى الأميركيين والشركات الكبرى، ولا سيما من خلال مضاعفة الضرائب على الأرباح المحقَّقة في الخارج.
تعهّد الرئيس الجديد بإلغاء الكثير من التخفيضات الضريبية التي أقرّها ترامب للشركات والأثرياء بمجرد تولّي السلطة، على رغم أن التغييرات تحتاج إلى موافقة الكونغرس. جانب رئيس في خطة بايدن للتعافي من الركود الناجم عن الوباء يتمثّل في إلزام الوكالات الحكومية بشراء سلع وخدمات أميركية الصنع للمساهمة في تعزيز قطاع التصنيع المحلّي. كذلك، تشمل خططه حدّاً أدنى للأجور عند 15 دولاراً، وزيادة دعم النقابات، وتوسيع حماية العمالة الموقّتة.

بلغ متوسّط ​​ثروة العائلات البيض 171 ألف دولار، مقارنة بمتوسط ​​الثروة البالغ 17,600 دولار للأسر السود


الضرائب
تهدف خطّة بايدن الضريبية إلى زيادة الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة، وإعادة السياسات التي كانت سارية قبل إدارة ترامب، وتشمل:
- رفع الضرائب على الأميركيين الذين يتقاضون أكثر من 400 ألف دولار، مع الحفاظ على معدّلات الضرائب عند المستويات الحالية لأيّ شخص يتقاضى أقلّ من هذا المبلغ.
- إعادة أعلى معدّل ضريبي للأفراد مِن 37% إلى 39.6%. وتنطبق شريحة الضريبة الأعلى على الأفراد الذين يتقاضون أكثر من 518,400 دولار، والأزواج الذين يحصلون على أكثر من 622 ألف دولار.
- زيادة معدّل ضريبة أرباح رأس المال الطويلة الأجل (التي يتمّ فرضها على أرباح مبيعات الأصول) من 23.8% إلى 39.6% للأشخاص الذين تزيد دخولهم على مليون دولار.
- رفع معدّل الضريبة على الشركات من 21% إلى 28%.
- فرض عقوبات على الملاذات الضريبية.
- رفع معدّلات الضريبة على الأرباح الأجنبية.

الحقوق المدنية
خلال المئة يوم الأولى، تعهّد بايدن بالعمل على إقرار «قانون المساواة»، وهو مشروع قانون يضيف بنود حماية واسعة جديدة لمناهضة التمييز على أساس الجنس أو النوع. ومن المتوقع أيضاً أن يُصدر أمراً تنفيذياً يدعم التنوع والشمول في الحكومة الاتحادية.
وأصدر الرئيس المُنتخَب خططاً تهدف إلى الاستثمار في «الحراك الاقتصادي» للمجتمعات الملوّنة، ستشمل:
- تخصيص 100 مليار دولار على شكل قروض منخفضة الفائدة لتمويل برامج الإقراض الحكومية والمحلية والقبلية وغير الهادفة للربح في المجتمعات الملونة.
- إنفاق أكثر من 50 مليار دولار في رأس مال بدء التشغيل لمساعدة روّاد الأعمال الملوّنين في المناطق المحرومة اقتصادياً.
- استثمار أكثر من 70 مليار دولار في كليّات وجامعات السود والمؤسّسات التي تخدم الأقلّيات.
في عام 2016، بلغ متوسّط ​​ثروة العائلات البيض 171 ألف دولار، مقارنة بمتوسط ​​الثروة البالغ 17,600 دولار للأسر السود، وفقاً لمجلس الاحتياطي الفدرالي. وبحسب المعهد الحضري، هناك فجوة مقدارها 30 نقطة مئوية بين ملكية البيوت للسود والبيض. تعكس هذه الأرقام ميل معظم الثروة في البلاد نحو عدد صغير نسبياً من الأثرياء، غالبيتهم من البيض.

إصلاح نظام الهجرة
وعد بايدن بإلغاء مرسوم الهجرة الذي أصدره ترامب والذي يحظر دخول مواطني عدّة دول، معظمهم من المسلمين. كما أعلن أنه سيطلب من الكونغرس تمرير قانون ضدّ الجرائم العنصرية. وتعهّد بمعالجة إجراءات احتجاز طالبي اللجوء و»فضيحة» فصل عائلات مهاجرين غير شرعيين على الحدود الأميركية - المكسيكية. ويريد بايدن أيضاً من الكونغرس أن يمرّر سريعاً قانوناً «سيضع خريطة طريق للمواطنة» لـ 11 مليون مهاجر غير شرعي يعيشون في الولايات المتحدة، ولما يقرب من 700 ألف شاب وصلوا بشكل غير قانوني إلى الولايات المتحدة عندما كانوا أطفالاً وتُطلَق عليهم تسمية «الحالمون».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا