باستثناء صلواته للجرحى الذين أصيبوا في انفجار يوم عيد الميلاد، يلوذ الرئيس الأميركي الذي ستنتهي ولايته قريباً، دونالد ترامب، بصمتٍ بات يطرح جملة تساؤلات حول دوافع المشتبه فيه الرئيس في حادثة ناشفيل والرسالة «التحذيرية» المُراد إيصالها في عامٍ مضطرب أثقلته تداعيات الأزمتَين الوبائيّة والانتخابية. دوافع يؤكِّد «مكتب التحقيقات الفدرالي»، الذي يقود التحقيق في التفجير الانتحاري، أنها لا تزال مجهولة، وأن تحديدها واستخلاص العبر منها سيحتاج إلى بعض الوقت. إزاء ذلك، فضّلت وسائل الإعلام الأميركية التعامل مع الحادثة بمعزلٍ عن الاستقطاب الذي يسود الولايات المتحدة، والأزمة التي أرساها رفض ترامب الاعتراف بالهزيمة في الانتخابات الرئاسية، وتعمّده تأليبَ قسم من البلاد ضدّ الآخر، فضلاً عن تهديده بمتلازمة: إمّا أنا أو الفوضى.

أكثر من أيّ رئيس آخر، أظهر ترامب، في سنواته الأربع التي أمضاها في البيت الأبيض، تعاطفاً قلّ نظيره مع المجموعات اليمينيّة المتطرفة، وتحديداً تلك المسلّحة التي تنادي بتفوّق العرق الأبيض. تعاطفٌ وصل إلى حدّ ممارسة إدارته ضغوطاً على وكالات إنفاذ القانون للتقليل من خطورة التهديد الذي تشكّله هذه المجموعات، وهو ما سمح للعنف بالتسلّل مجدّداً إلى المشهد السياسي، حيث وصل مستوًى لم تشهده البلاد منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. واستناداً إلى دراسة أجراها الأكاديميان أيلا ماتانوك، وبول ستانيلاند، واستعرضا خلاصاتها في مقالة خصّا بها مجلة «فورين أفيرز»، توقّع الباحثان أن تستمرّ دوّامة العنف المتطرّف في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأميركية. وكشفت هذه الدراسة أن هناك طريقتين أساسيتين تتسبّبان في زيادة المشاركة المسلّحة في السياسة الأميركية: الأولى حين تؤيّد النخب السياسية المجموعات المسلحة ولو ضمنياً، أو عندما تفشل الحكومات في حشد استجابة متّسقة وموحّدة تجاه هذه المجموعات، لافتةً إلى أن كلا المسارَين ظهر بشكل جلي خلال رئاسة ترامب. من هنا، يصبح سيناريو الدخول في دوامة من العنف السياسي المتقطّع والمتكرّر المنخفض المستوى الأكثر ترجيحاً، وهو ما يقود إلى احتمال أن تفتح حادثة ناشفيل، كونها تأتي في ظلّ مخاوف من لجوء مجموعات يمينيّة متطرّفة داعمة لترامب إلى العنف الذي ظهرت، أخيراً، بعض تعبيراته في ولاية جورجيا والعاصمة واشنطن، الباب واسعاً على حوادث مشابهة تنذر بانفلاش الفوضى.

يوصف وارنر بأنه شخص «هادئ» و«منعزل» و»وحيد دائماً»


في هذا الوقت، يُبدي «مكتب التحقيقات الفدرالي» تحفّظاً واضحاً قبل الإعلان عن دوافع الانتحاري الذي فجّر عربته السكنية في الوسط التاريخي للمدينة الواقعة في ولاية تينيسي يوم عيد الميلاد، وهو ما تبدّى من خلال إرجائه الكشف عن اسم المشتبه فيه الرئيس، والذي تبيّن، بعد تحليل الحمض النووي لأنسجة بقايا بشرية عثر عليها في موقع الانفجار، أنه المدعو أنتوني وارنر (63 عاماً). وذكرت وسائل إعلام أميركيّة أن السلطات كانت تعرف هوية الانتحاري، لكن الشرطة اكتفت بالقول، حينذاك، إن هناك شخصاً مطلوباً للتحقيق. وبحسب جيرانه الذين تحدّثوا إلى وسائل الإعلام، نادراً ما يغامر وارنز، غير المتزوّج، بالخروج من منزله، حيث عاش لسنوات مع والديه قبل وفاة والده في عام 2011 وانتقاله إلى العيش في منزل قريب. وكان المشتبه فيه الرئيس يمتلك شركة إنذار، ويحمي منزله بمجموعة من الكاميرات الأمنية، ويوصف بأنه شخص «هادئ» و»منعزل» و»وحيد دائماً»، وفق جيرانه. ويفيد تسلسل للوقائع عرضته السلطات المحليّة، بأن الشرطة تلقّت بلاغاً بحدوث إطلاق للنار في المنطقة عند الساعة 05:30 صباحاً، وحدّدت الشرطة عربة الكارافان بعد ثلاثين دقيقة. وبعد 15 دقيقة على ذلك، سُمع التسجيل الذي تخلّلته مقاطع موسيقية، عبر مكبر الصوت يدعو الناس إلى إخلاء المنطقة. وكان المنزل المتنقّل متوقّفاً أمام مبنى شركة الاتصالات «إيه تي آند تي»، وأدّى انفجاره إلى إلحاق أضرار بأكثر من 40 شركة محيطة وتعطيل الاتصالات في تينيسي وبعض المناطق في ولايتَي ألاباما وكنتاكي، فيما اضطرّ المطار المحلي إلى تعليق رحلاته لفترة.
وفيما اعتبر النائب السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي، آندرو مكايب، في حديث إلى شبكة «سي أن أن»، أن انفجاراً بهذا الحجم سيتمّ التحقيق فيه على أنه عمل إرهابي محتمل، مشيراً إلى أن الشرطة ربّما تكون الهدف المحتمل للانفجار، بالنظر إلى أن عناصرها كانوا يستجيبون لبلاغ عن مركبة مشبوهة عندما وقع الانفجار، صدر بيان مقتضب عن نائب المتحدث الإعلامي باسم البيت الأبيض، جاد دير، عبر «تويتر»، يؤكّد فيه أنه تم إبلاغ ترامب بالحادثة، وأن «الرئيس أعرب عن شكره للمشاركين في الاستجابة الأولى الرائعة، ويصلّي لصحة المصابين».


اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا