واحدة من سمات الانتخابات الإسرائيلية التي تَقرّر أن تَجري مبكراً للمرّة الرابعة خلال عام واحد، هي تشظّي أحزاب إسرائيل وانقساماتها. لا يتعلّق الأمر بشرائح تَنشقّ لتنشئ أحزاباً جديدة لا خلاف بينها وبين أحزابها الأمّ إلا على المصالح الشخصية، بل أيضاً بانتقال أفراد من هذا الحزب إلى ذاك، إلى حدّ يصعب معه استعجال الحديث عن هوية الأحزاب التي ستخوض الانتخابات.

في هذا السياق، يبدو أن حزب «أزرق أبيض» بقيادة وزير الأمن بني غانتس، يتّجه إلى الزوال. إذ كما يرد من معطيات وتسريبات، لن يبقى فيه سوى رئيسه، إلى حدّ أن الرجل الثاني في الحزب، وزير الخارجية غابي أشكنازي، ينوي أن «يدرس خياراته» في حال رفض غانتس أن يتولّى الأول رئاسة الحزب. فضلاً عن ذلك، فإن استطلاعات الرأي لا تعطي «أزرق أبيض» ضمانة بتخطّي العتبة الانتخابية، وهو ما يُرجّح سقوطه من الحلبة السياسية نهائياً، وهذا هو المآل الطبيعي للأحزاب الموسمية في إسرائيل.
في السياق نفسه أيضاً، يَتقلّص حضور حزب «الليكود» ومكانته وكذلك عدد المقاعد المتوقّعة له في الانتخابات المقبلة، والتي لن تصل إلى 36 مثلما كانت عليه الحال في الانتخابات الماضية، بل ستتراجع إلى ما دون الثلاثين، بل إلى ما دون الـ25 بحسب بعض الاستطلاعات. وألقى انشقاق جدعون ساعر عن «الليكود» وإنشائه حزباً جديداً تَقرّر أن يكون اسمه جزءاً من الحملة الانتخابية، وهو «الأمل الجديد»، بظلال ثقيلة على «الليكود» وعلى رئيسه شبه الدائم، رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. ظلالٌ يضاعف وطأتَها تمكّنُ ساعر من جرّ قياديين آخرين من «الليكود»، من بينهم «المطيع» لنتنياهو الوزير زئيف ألكين، إليه، الأمر الذي يُعدّ ضربة قوية للحزب الأمّ بشكل عام، ولنتنياهو بشكل خاص. ومن المتوقّع أن يتصاعد مسلسل الانشقاقات عن «الليكود» في الفترة الفاصلة عن الانتخابات، في ظلّ وجود تهديد بمستوى معقولية مرتفع بأن يفوز الحزب بعدد مقاعد لا يسمح له بأن يُسمّي رئيسه لتأليف الحكومة المقبلة.
وتتنافس على أصوات اليمين ثلاثة أحزاب رئيسة، إلى جانب أحزاب أخرى تقع على هامش المشهد اليميني العام، والأولى هي: «الليكود» بقيادة نتنياهو، و»الأمل الجديد» بقيادة ساعر، و»يمينا» بقيادة وزير الأمن السابق نفتالي بينت، والثلاثة يسعون إلى استقطاب العدد الأكبر من ناخبي اليمين تمهيداً لتحصيل العدد الأكبر من المقاعد، ما يتيح تسمية المنتصر من بينهم لتأليف الحكومة. وتُعدّ المنافسة بين هؤلاء السمة الرئيسة للانتخابات المقبلة والعنصر المستجدّ فيها. فبعد أن كانت الانتخابات بنسخها الثلاث الماضية متمحورة حول التنافس بين كتلة اليمين من جهة وكتلة الوسط واليسار من جهة ثانية، باتت الآن عملية تنافسية بين اليمين واليمين، مع هامش محدود لحضور الوسط واليسار. كذلك، انتقلت إرادة إسقاط نتنياهو إلى داخل اليمين نفسه، الذي كان في الانتخابات الماضية متكتّلاً حول نتنياهو ويرفض الانضمام إلى أيّ حكومة ما لم تكن برئاسته.

يشير بعض الاستطلاعات إلى تراجع حصّة «الليكود» إلى ما دون 25 مقعداً


على ضفّة أحزاب الوسط، يضاف إلى «أزرق أبيض» المهدَّد بالتلاشي وتوزّع رجالاته على أحزاب أخرى جديدة أو قديمة، تهديد آخر يمسّ حزب «يش عتيد» بقيادة الوزير السابق يائير لابيد، وتحديداً بعد أن سَرّب الرجل الثاني في الحزب، الصحافي السابق عوفير شيلح، خبر اعتزامه الانشقاق ليُنشئ حزباً جديداً ما لم يترأس هو حزبه الأمّ. وهو انشقاقٌ سيجرّ خلفه، إن حصل (الأمر الذي يبدو مرجّحاً)، عدداً من أقطاب «يش عتيد» وغيره، ما يعني تشظّياً إضافياً في أحزاب الوسط، التي ستتصارع في ما بينها على ما تَبقّى من شرائح وسطية، لينال كلّ منها عدداً قليلاً من مقاعد «الكنيست» المقبل، فيما الشريحة الوازنة تغادر الوسط إلى اليمين، وتحديداً إلى حزب ساعر الجديد بحسب التقديرات، الأمر الذي يزيد فرصه في الفوز بعدد أكبر من المقاعد نسبة إلى منافسيه في الكتلة اليمينية.
التشظّي انتقل أيضاً إلى أحزاب فلسطينيّي 1948، والتي يُتوقّع أن تنقسم على نفسها بعد أن خاضت الانتخابات الماضية بلائحة واحدة، تَمكّنت من خلالها من شدّ همّة الناخب الفلسطيني (1948)، والفوز بـ15 مقعداً في «الكنيست» المنحلّ، وهو عدد يكاد يوازي استحقاق الفلسطينيين العددي في إسرائيل. على أن الاتحاد في الانتخابات الماضية لم يكن مبنيّاً على مشروع موحّد بين هذه الأحزاب، بل على مبنى واحد، وهو رفع نسبة تأييد الناخبين والاستحصال على عدد أكبر من المقاعد، الأمر الذي يعني خلافاً على هذه المقاعد الجديدة التي يُقدّر الحصول عليها لكلّ حزب نتيجة ترتيب أسماء المرشّحين على اللائحة. وعلى ما يبدو، تتّجه الأحزاب العربية هذه المرّة إلى تأليف لائحتين، من شأنهما أن تُقلّصا عدد مقاعدهما إلى 12، بحسب التقديرات. وكيفما اتّفق، يتّسق الانشقاق، إن حصل، مع الانقسام الفعلي في الساحة السياسية، وهو سمة من سمات فلسطينيي الداخل.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا