كان «إنساناً على درجةٍ عالية من الوفاء والإخلاص والتديّن... ومسؤولاً ومجاهداً حقيقياً». هكذا وصف الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله، نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي»، الشهيد أبا مهدي المهندس. مطلع التسعينيات، في العاصمة الإيرانيّة طهران، التقى الرجلان للمرّة الأولى. لقاءٌ شكّل فاتحةً للقاءاتٍ كثيرة، كان آخرها قبل أشهرٍ معدودة من شهادته، وتحديداً في أيلول/ سبتمبر 2019.

■ ■ ■

إلى سبعينيّات القرن الماضي، تعود علاقة المهندس مع لبنان واللبنانيّين، وتحديداً مع المجاهدين، الذين ساندوا إخوانهم العراقيين في مواجهة نظام صدام حسين، وأجهزته. كان أبو مهدي، كما أستاذه «أبو زينب الخالصي» (قضى عام 2007، وله الفضل الكبير في تربية شخصيّة المهندس الجهادية الولائية، إضافةً إلى غيره من طلائع المجاهدين العراقيين الأوائل، وبعض اللبنانيّين)، يَعتبر لبنان الذي زاره حينها وتلقّى فيه أول تدريباته العسكرية، القاعدة الأساسية للعمل على إسقاط حكم الطاغية. تلاقى هؤلاء الشبّان في المنهج والمسار، وانسحب التعاون الدائم في ما بينهم مع تأسيس حزب الله عام 1982، لتحقيق كلّ الأهداف المشتركة، والمتفاوتة في الحجم.
في الكويت، وقبيل انتقاله إلى الجمهورية الإسلامية في إيران، تعرّف المهندس إلى القائد مصطفى بدر الدين (ذو الفقار)، حيث عملا معاً، مع عددٍ آخر من المجاهدين العراقيين واللبنانيين، ضمن إطار جهادي محدّد. هناك، ومنذ عام 1983، لم يترك البندقيّة. كانت الحرب الإيرانية - العراقية في أوجّها، فشارك فيها إلى جانب قوات «الحرس الثوري»، بانتسابه إلى «فيلق بدر». وفي الجبهة، نشأت العلاقة مع رفيق سلاحه قاسم سليماني.
صلات المهندس برفاقه اللبنانيين لم تنقطع أبداً، إذ كان حريصاً على إدامة التواصل معهم. فزياراته للضاحية الجنوبية كثيرة جداً، خاصةً في حقبة التسعينيّات. حضر والتقى بالشهيدين عماد مغنية ومصطفى بدر الدين وغيرهما. أما الطبق الأبرز على طاولة الاجتماعات، فكان السعي الدائم إلى نقل «تجربة المقاومة» ضدّ العدو الإسرائيلي، للاستفادة من الدروس والعبر أوّلاً، وانطلاقاً من قناعةٍ لديه ثانياً، تقضي بضرورة التعاون أمام التحدّيات وفق قاعدة «وحدة الجهاد وتكامل المجاهدين». أبدى المهندس استعداده الدائم لإرسال المجاهدين العراقيّين للقتال في جنوب لبنان المحتلّ. قيادة المقاومة ثمّنت موقفه المتقدّم، لكنّها لم تجد حاجةً إلى تنفيذه، فـ«المقاومة ذات طابع لبناني، والمسرح الجغرافي للمواجهة محدود، ولا يستوعب أي فائضٍ في عديد القوات».
أدرك المهندس، باكراً، ضرورة قراءة مسار الأحداث وفهمها، والاستفادة من تجارب الآخرين وإشراكهم في تجاربه. هذا الإدراك، ليس نتاج فضول أو ترف، بل «ترجمة لفهم عميق لضرورة التكامل بين ساحات الجهاد كافة». وفي عام 1998، ومع تسلّم سليماني قيادة «قوّة القدس»، نَمَت علاقة الرجلين سريعاً. مردّ ذلك إلى التشابه الكبير في شخصيتيهما، لـ«ناحية الود واللطف والدماثة والإخلاص، والتفاؤل الدائم المقرون بعدم اليأس أمام التحديات، والمنهج العملي الإيجابي في الأصل أو في الأزمات.... تطابقت شخصية المهندس مع شخصية الحاج قاسم»، يقول أحد العارفين. ومع تحرير جنوب لبنان في أيار/ مايو 2000، جال المهندس في المناطق المحرّرة؛ يومها، قال أمام عددٍ من «قادة الصف الأوّل»: لقد كان رهاننا عليكم صحيحاً وسليماً... لو طبّقنا هذه التجربة في العراق لسقط صدام... فهو ليس بأقوى من إسرائيل، ونحن لسنا بأضعف منكم».
صلات المهندس برفاقه اللبنانيين لم تنقطع أبداً، إذ كان حريصاً على إدامة التواصل معهم


عودةٌ إلى «الرافدين»
مع سقوط العاصمة العراقيّة بغداد بيد الاحتلال الأميركيّ (نيسان/ أبريل 2003)، بدأت علاقة المهندس بحزب الله والمقاومة بالظهور على حقيقتها؛ إذ ترجم رؤيته بضرورة مقاومة الاحتلال، لا التعاون معه أو الإذعان إليه. بين عامَي 2003 و2011، لعب المهندس دوراً كبيراً في إخراج الأميركيين صاغرين تحت نيران فصائل المقاومة. وهو الذي ساهم، خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز/ يوليو 2006، بمؤازرة حزب الله عبر تصعيد العمليات العسكرية ضد القوات الأميركية. في تلك الفترة، اعتبر الأميركيون «أبرز أعدائهم في المنطقة: مغنية في لبنان، والمهندس في العراق». هذا التهديد، مردّه - أيضاً - إلى علاقة الرجلين أحدهما بالآخر؛ فعاطفة الثاني بدت جليّة بعد شهادة الأوّل في شباط/ فبراير 2008.
في عام 2013، ومع اشتداد الحرب على سوريا، كان سبّاقاً في مساعدتها. ثم في العام التالي، وعلى إثر سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم «داعش»، كان السبّاق أيضاً في مواجهة أعتى التنظيمات إرهاباً. من بغداد، شكّل «النواة» الأولى لـ«هيئة الحشد الشعبي»، قبل إعلان «المرجعية الدينيّة العليا»، آية الله علي السيستاني، عن «فتوى الدفاع الكفائي». وفي سامراء، وغيرها من المدن والمحافظات المحتلّة، كان له حضوره الدائم والمباشر، في قيادة العمليّات، إلى جانب «الحاج قاسم»، حتى أصبح الرجلان «شريكين كبيرين وأساسيين» في صنع الانتصار التاريخي على الاحتلال الأميركي و«داعش». سقوط الموصل أذن بترجمة «بعض» من قناعات المهندس. واتفق مع سليماني على ضرورة إشراك حزب الله في المواجهة، بناءً على التجارب السابقة. فالمهندس كان «أبرز عوامل الاطمئنان بالنسبة إلى سليماني، وإلى حزب الله أيضاً»، فهو كما وصفه السيد نصرالله «اليد اليمنى للحاج قاسم حتى لحظة الشهادة... وأكثر الأشخاص اعتماداً عليهم».

«إحنا واحد»
قضت توجيهات قيادة المقاومة، بمنح المهندس ما يحتاج إليه. فالأمين العام لحزب الله أكّد - مراراً - على ضرورة «تأمين أي شيءٍ يحتاج إليه الحاج أبو مهدي». بعد الانتصار العظيم على «داعش» (كانون الأوّل/ ديسمبر 2017)، أصرّ المهندس على بقاء مجاهدي حزب الله. ردّد عبارة «إحنا واحد» (نحن واحد)، فـ«دوركم التدريبي والمواكب لم ينته بعد، عليكم أن تساعدونا، وتقفوا إلى جانبنا». وهو لم يعتبر وجود الحزب ظرفيّاً، بل عضويّاً في المقاومة العراقية أوّلاً، و«الحشد» تالياً. أراد المهندس أن يكون لـ«الحشد» هويته الخاصّة، وفق الإطارات المحدّدة، وأراد - في الوقت عينه - من حزب الله ومقاومته الاهتمام بتدريب تشكيلاته وهيكليته وصياغة «عقيدته القتالية». بين عام 2018 وحتى يوم اسشهاده، زار لبنان مرّاتٍ عدّة، رافضاً أيّ «مساحة للاستراحة» لأن «العمل أوّلاً وأخيراً». حَرَص على انتخاب ما يريده ووفق رؤيته، فـ«حزب الله صاحب تجربة طويلة، وقدرة على مواجهة التهديدات الخارجية بالتوازي مع الفتن الداخلية».

■ ■ ■

في النقاشات الأخيرة، حمل المهندس إلى بيروت «همّه». لم يرد «الحشد» ظرفياً محدوداً بل مؤسسة عقائديّة. حلمه أن يكون «الحشد» تشكيلاً نوعيّاً، وقد رسم لذلك خططاً ومساراتٍ من شأنها أن تحدث «تحوّلاً» في المؤسسة العسكرية - الأمنية. خلصت تلك النقاشات إلى «العبارة» التاليّة: نسعى إلى مستوى نوعي (تجهيزات/ إمكانات/ بنية...) وأعمال نوعيّة، ينتج منها - تلقائيّاً - تشكيل نوعي. لم يكتفِ بالبعد العسكري بل بالبعد الجماهيري، خاصّةً ذلك الشقّ المتعلّق بعائلات الشهداء، وحفظ الآثار، وحل المشكلات الاجتماعيّة الطارئة. لذلك، اجتمع إلى رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله، السيد هاشم صفي الدين، للاستفادة من التجربة، وإنشاء مديريات في «الحشد»، تخدم هذه التوجهات. «تلك الزيارة، كانت من أجل تسييل هذه الأمور... لكنّه مضى قبل أن يبدأ...».