مَثّل اغتيال الشهيد قاسم سليماني ورفاقه خسارة كبيرة جدّاً، تكاد لا تُعوَّض، لإيران وحلفائها، ولكلّ مركّبات المحور الذي يقاوم مشاريع الهيمنة الأميركية في المنطقة. وعلى قدر الخسارة، وربّما أزيد، رأى الفائدةَ كلٌّ من الولايات المتحدة وحلفائها، وفي المقدّمة إسرائيل، التي أَمِلت، بحسب تعبيرات عبرية، أن يُحقّق الاغتيال وتبعاته ما عجزت عن تحقيقه الخيارات الأوّلية المتاحة في مواجهة طهران، وكذلك الخيارات البديلة لها، لتعذّر تفعيلها.

بعد عام على عملية الاغتيال، تُثار الكثير من الأسئلة حول النتائج، ليس في ما يتعلّق بالخسارة نفسها - وهي خسارة استراتيجية للمحور المقاوم مرتبطة بتحييد شخصية محورية في ساحات المواجهة -، بل بأهداف ما يلي التحييد المادي للشهيد ورفاقه، بعد مرارة طويلة ألحقها بالأميركيين وأتباعهم عبر إفشال مخططاتهم في عموم المنطقة. وتلك أهداف تتشابك في ما بينها وتتعدّد، وإن كانت سمتها العامة، لدى الولايات المتحدة أولاً، وإسرائيل ثانياً، وكذلك الأتباع في المنطقة، الأمل بأن يكون واقع ما بعد الاغتيال مغايراً لما قبله.
من ناحية تل أبيب تحديداً، ما الذي تَغيّر بعد عام على استشهاد سليماني؟ ما الذي تَحقّق من الرهانات والتقديرات الإسرائيلية لما بعد الاغتيال وما الذي لم يتحقّق؟
في الوعي الإسرائيلي، يُعدّ سليماني شخصية مركزية شغلت ساحات المواجهة على اختلافها ضدّ الاحتلال، بدءاً من إيران نفسها، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان، وصولاً إلى الدائرة اللصيقة: فلسطين المحتلة بمسمّياتها، وأخيراً الوافد الجديد/ القديم على المحور المقاوم، الساحة اليمنية، ببعدها الاستراتيجي. كانت للشهيد، إلى جانب شخصيته الفريدة ومركزية دوره هو ورفاقه، تأثيرات كبيرة في منعة هذه الساحات واستعدادها وجاهزيتها في أكثر من وجه وبعد خاصَّين بكلّ ساحة، مع تفاعل في ما بينها ضمن محور أشمل. وتُشكّل الساحات المذكورة، في ظلّ تعاظم قدراتها الدفاعية، منبع التهديد الإقليمي لإسرائيل، بما يشمل تهديد الكيان نفسه بشكل مباشر، وتهديده أيضاً بشكل غير مباشر عبر مواجهة نفوذ أميركا وهيمنتها، حيث مكمن قدرة إسرائيل. وهو تهديدٌ ينسحب كذلك على أتباع الولايات المتحدة في الإقليم. أمّا البعد الثالث الذي أثّر فيه سليماني تأثيراً مركزياً، فيتمثّل في تنمية قدرات ساحات محور المقاومة، وتعظيمها إلى الحدّ الذي يجعلها تكاد تستحيل تهديداً وجودياً لإسرائيل.

تُقرّ تل أبيب بأن عملية بناء القدرة في ساحات محور المقاومة ما زالت مستمرّة


كان يُفترض وفقاً للحسابات الإسرائيلية أن يؤدّي استشهاد سليماني إلى إضعاف محور المقاومة بكلّ مركّباته وساحاته، في مرحلة حسّاسة جدّاً، في ظلّ وجود إدارة أميركية لا تتوانى عن المضيّ قُدُماً في رهانات كانت حتى الأمس القريب مستبعدة في واشنطن.
في معاينة النتائج، يشار إلى الآتي:
سوريا كانت ولا تزال صامدة، والعراق كان ولا يزال صامداً مع أخذ وردّ هما سمة هذه الساحة وتميّزها قبل عملية الاغتيال وبعدها، والأمر نفسه ينسحب كذلك على الساحة اللبنانية، إذ بوصف لبنان ساحة مقاومة، لم يضعف ولم يتراجع، إن لجهة القدرة أو العزيمة أو الإرادة. في بعد بناء القدرة الذي يُعدّ واحداً من أهمّ انشغالات سليماني وإنجازاته، تُقرّ إسرائيل نفسها بأن هذه العملية ما زالت مستمرّة، سواءً في العراق أو في سوريا أو في لبنان، وكذلك في قطاع غزة، وبما يصل أيضاً إلى الساحة البعيدة القريبة، اليمن. دليل ذلك، فضلاً عن الإقرار الإسرائيلي، ما أجمله الأمين العام لـ«حزب الله»، السيد حسن نصرالله، في مقابلته الأخيرة مع قناة «الميادين»، حيث أكّد المسار التصاعدي لتلك العملية وعدم تضرّرها جرّاء استشهاد سليماني.
في مركز الاستعداد والمقاومة والجاهزية، أي الساحة الإيرانية نفسها، تحضر الأسئلة وإجاباتها: هل أحدث استشهاد قائد «قوة القدس» تحوّلاً أو ضعفاً أو تردّداً في مواصلة إيران خياراتها الاستراتيجية؟ هل أدّى إلى انكفاء طهران عن ساحات المواجهة؟ واضح أن المشاريع والخيارات ومسارات التعاظم ما زالت على حالها. حَقّقت الولايات المتحدة، عبر إدارة ترامب، ما أرادته واشنطن وتَعذّر عليها طويلاً، وهو أيضاً ما أمِلته إسرائيل، وكان كذلك موضع ترحيب الجماعة الأميركية في المنطقة: اغتيال سليماني. إلا أن الاغتيال الذي حَيّد شخص الشهيد، وأزال تهديده المادي المتعلّق بشخصه، لم ينسحب على الأهداف الأخرى، وربّما هي الأساس، لعملية الاغتيال. إذ لجهة الضغط على القرار الإيراني وسياقاته ميدانياً واستعداداته عسكرياً وأمنياً في أكثر من ساحة، فالحديث غير قابل للمجادلة: استمرّ الجهد الإيراني بلا قطيعة، مع يقظة واحتراز، الأمر الذي أسقط بالنتيجة هذا الهدف، والذي يُعدّ من ناحية إسرائيل مُتقدّماً على الهدف الأول، على رغم أهمّيته.

ترقّب الردّ أو العدوان أو كليْهما
في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال سليماني ورفاقه، ترتفع مستويات القلق لدى إسرائيل والولايات المتحدة على السواء، إزاء ردّ يتردّد التعبير عنه على ألسنة مسؤولي الجانبين في تل أبيب وواشنطن، إلى حدّ إطلاق ترامب نفسه تحذيرات ضدّ طهران بهدف منعها من الإضرار بأهداف أميركية وإسرائيلية، ترى استخبارات واشنطن وتل أبيب أن معقولية استهدافها باتت مرتفعة. على هذه الخلفية، فَعّل الجانبان الإسرائيلي والأميركي سلسلة تهديدات، ووَجّها رسائل تحذير عبر تدابير وتحرّكات استعراضية كلامية وميدانية ضدّ الجانب الإيراني ومركّبات المحور المقاوم، مع الأمل بأن يؤثّر كلّ ذلك في القرار الإيراني ويمنع خروجه إلى الفعل.
مع ذلك، تتشابك التقديرات وتتداخل، بين السبب والنتيجة والمبادرة والردّ: هل تُحضّر إسرائيل ورعاتها في واشنطن لاعتداء جديد على إيران في واحدة من الساحات التي يتردّد ذكرها لدى الجانبين في الفترة الأخيرة، وهي لبنان وسوريا والعراق واليمن، وكذلك بشكل لافت، إيران نفسها؟ هل تعني تلك الفرضية أن كلّ التهديدات والتحذيرات الواردة في هذه الفترة من واشنطن وتل أبيب تأتي في سياق الإعداد للاعتداء عبر قلب التموضع الإسرائيلي/ الأميركي مسبقاً، من موقع اعتدائي إلى موقع دفاعي؟ أم أن الأمر يتعلّق فعلاً بتقديرات استخبارية لدى الجانبين نتيجة تجميع معطيات ومعاينة حوافز إيرانية تتساوق مع ظرف سياسي مقبل، يتيح لطهران وحلفائها الردّ الموعود على سلسلة اعتداءات نَفّذتها الولايات المتحدة وإسرائيل خلال العام الماضي في إيران وخارجها؟ الإجابة صعبة وغير يقينية في كلّ سيناريو من سيناريوات الفرضيات، وإن كان لخليط بين جميع الفرضيات مكانٌ متقدّم في تقدير الآتي.