سألتني ابنتك زينب بعد أشهرٍ من استشهادك أيُ فراقٍ كان الأصعب علي؟ احترت حينها قليلاً أكان عماد أبي، أم جهاد أخي، أم خالي مصطفى، أم أنت.

(الأخبار)

الحاج قاسم، قلتُ. استغربَت وسألتني عن السبب. السبب يا عمو هو أنك لم تكن والدي الذي أنجبني ولم تكن مضطراً إلى أن تكون بمثابة أب لولدين وبنت، بكل ما تحمله كلمة الأبوة من معاني ومسؤوليات. ما شهدته وما عايشته أنا مع المقاومين الذين عرفتهم أن ما لا يملكونه هو الوقت. لا وقت لدى الأبطال حتى ليمارسوا أبوّتهم. لقد قضيت شبابي في حالة انتظار. أنتظر أبي ليرجع دائماً إما من جلسة إما أنتظر انتهاء حرب أو تأهب أو أنتظر وقتاً لم يكن يوماً ملكاً له أو لي، بل كان ملكاً لأمة.
لكن أنت يا حاج قاسم عدت إلي، سرقت وقتاً لطيفاً مقدساً من الخط الزمني للأبطال، وهبتني ما لم يستطع عماد أو لم يسعفه عمره أن يهبني إياه من دلال وبنوّة وأبوّة. كل ما لم أطلبه من عماد طلبته منك، وكل ما لم يتسنّ لي أن أقوله لعماد قلته لك؛ طلبات الأبناء البسيطة، والسخيفة غالباً.
لقد كنت موجوداً دائماً عندما توقعتك وعندما لم أتوقعك. من الطبيعي منك، أنت القائد قاسم سليماني، أن تزور بيتنا في ذكرى عماد وتسأل عن أحوالنا. لكن ليس من الطبيعي أن تزور بيتنا كلما أتيت إلى لبنان، ولا من المتوقع أن تقصدنا في المستشفى حين نمرض، وبالطبع ليس من المتوقع أنني كلما خطر على بالي أن أسمع صوتك، أتصل بك وكأنك صديقي الذي يملك كل الوقت ليبادلني الصداقة ويرد على اتصالاتي فوراً ومن دون وساطة ولا انتظار، لأسمع دائماً ما أحبه «سلام عمو». أنا لن أسأل اليوم كيف كنت تجد وقتاً لجهادك ولنصرة المظلوم والحروب التي أعززتنا ونصرتنا بها، مع أن هذا كان ليكفيني جداً. لكني أسأل، ومن البديهي أن أفعل، كيف كنت تجد وقتاً لتجيب أنت دائماً على اتصالي وتسرق لي زمناً خاصاً بي عنوانه "سلام عمو، كيف حال ابنتنا؟». وكنت تحرص على أن تصل حصتي من العسل الذي كنت أنت تعدّه بنفسك سنوياً. وتنبّهني، وتوبّخني إذا اقتضى الأمر، وتقول بعدها «ألستُ والداً؟ هذا ما يفعله الوالد».
أعرف أن كثراً يتمنون لو كانوا مكاني. ولكني اليوم أقول لكم إن فقد شخص مثل قاسم سليماني هو أصعب ما يمكن أن يمرّ به أحد، لعله كخروج الروح من الجسد.
وهذا الألم كله، وأنا لست ابنته من لحمه ودمه. أعان الله قلبكم يا زينب ونرجس وفاطمة، عائلتي الثانية. ماذا يمكن أن أقدم لكم وفاءً للحب والحنان والإنسانية والرجولة والبطولة والنصر والجمال والدين وكل ما في هذه الدنيا من معانٍ وقيمٍ محمدية أثبتها والدكم بالفعل.
أنا أؤمن بأن أمثال الحاج قاسم يختارون هم متى يُسلِمون الروح. ولقد أخبرته بهذا قبل أشهر من استشهاده. أخبرته بإحساسي بأنه قرر الرحيل، ورجوته أن يمهلني وقتاً إضافياً لعلي أستطيع أن أنظر إليه بتمعنٍ أكثر، أو أن أرتوي منه أكثر... أن أسبق الزمن، أن أستزيد من حنانه وجماله، أن أحسَ ولو ليوم إضافي بأن الله نظر إليّ نظرة خاصة بعدما فقدت عماد، تجلّت بـ«عمو».
لن أختم بعبارة «مرّ عام»، فمعك لا أعوام ولا أزمان، أنت باختصار رجل من خارج هذا الزمان.



يوم 16 شباط 2018، كتبت فاطمة مغنية هذه الخاطرة خلال توجّهها مع الحاج قاسم سليماني إلى مدينة مشهد الإيرانية، بعد انتهاء إحياء الذكرى السنوية العاشرة لاستشهاد القائد عماد مغنية في طهران:
■ ■ ■

بدون ترتيب مسبق رزقنا الله زيارة مولانا علي بن موسى الرضا مع وليّ من أوليائه، وهو القائد الجندي الوفي للوليّ الفقيه القائد المفدّى السيد علي الخامنئي. لحظة لا تشعر بها حتماً والوقت يمر ببطء وتتمنّى لو أنه يبقى طوال العمر. نبقى في الطائرة بين الأرض والسماء مع أشدّ الناس إخلاصاً على وجه هذه الأرض. في السنة العاشرة لاستشهاد والدي أعيد لي نفس الإحساس بالانتماء لأب مجاهد قويّ يمر من أمام الناس فتشعر بقربه بالفخر، وله إجراءاته الخاصة التي خصّ الله بها بعضاً من عباده وأبناء عباده. أخشى أن أفقدك وأفقد ما أعدت لي من أجمل الأحاسيس التي ما أحسستها إلا مع عماد.
■ ■ ■

ردّ سليماني على خاطرة فاطمة مغنية وكتب
باسمه تعالى
ابنتي العزيزة فاطمة،
أولاً نحبك أنت وعائلتك خصوصاً حبيبي وصديقي سامر. عزيزتي فاطمة لا تخرجوا من هذا المنهج، هذا المنهج طريق الأولياء وطريق الجنة، وهذا الطريق يوصلكم إلى رضوان الرضوان.
نحتاج دعاءك حالياً وبعد
أبوكم قاسم
طائرة طريق مشهد