في اللحظات التي تلت استشهاد اللواء قاسم سليماني، شرعت أجهزة الدعاية الخليجية والذباب الإلكتروني الناشط على وسائل التواصل الرقمي في حملة إعلامية - سياسية تهدف إلى اغتياله معنوياً، استكمالاً لاغتياله جسدياً. فالرجل الذي شارك إلى جانب القادة الآخرين في محور المقاومة في مواجهة الهيمنة الأميركية - الإسرائيلية على المنطقة، وفي تطوير قدرات هذا المحور كمّاً ونوعاً، ما انعكس تحوّلاً تدريجياً ولكن مستمرّاً في موازين القوى لغير مصلحة أعدائه، اتُّهم بالمسؤولية عن الويلات التي حَلّت بملايين السوريين والعراقيين من جرّاء الحرب التي عصفت بالبلدين. السردية المذهبية التي قُدِّمت للتعمية على الطبيعة الفعلية لهذه الحرب المحلّية/ الإقليمية/ الدولية التي شُنّت على البلدين، وتصويرها على أنها صراع تناحري ووجودي بين «السُّنة» و«الشيعة»، وضعت الشهيد سليماني، بحكم موقعه العملي في إدارة المجابهة، على رأس قائمة المتّهمين بما نجم عنها من أهوال بشرية ومادية. الاغتيال المعنوي والسياسي لأحد قادة محور المقاومة، عبر تشويه قناعاته ودوره وإظهاره على أنه يقود حرباً مذهبية ضدّ «السنّة»، لا يقلّ خطورة عن جريمة قتله في خضمّ المعركة المحتدمة في منطقتنا. فالشهيد سليماني، قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني، كان تجسيداً حيّاً على أرض الواقع للثوابت المبدئية التي حكمت وما زالت سياسة الجمهورية الإسلامية تجاه قضايا الإقليم والعالم، وفي مقدّمتها قضية فلسطين، والوحدة الإسلامية، وتحالف الشعوب المستضعفة ضدّ الإمبريالية. وقد اتّضح بشكل جليّ التزام «شهيد القدس»»، كما سمّاه رفاق السلاح في فصائل المقاومة الفلسطينية، بهذه الثوابت خلال محطّات حاسمة من مسيرته الجهادية، وكذلك خلال التطوّرات التي شهدها الإقليم العربي - الإسلامي في العقد الأخير، والتي ما زالت محطّ تأويلات وتحليلات متضاربة.


الانتفاضات الشعبية «صحوة إسلامية»
«في منطقتنا اليوم بات هناك أكثر من إيران. مصر أضحت إيران أحببتم ذلك أو كرهتم. هي ستصبح إيران ثانية رغماً عنكم... جميع الحكومات العربية ستُسقطها شعوبها. أقوى الحكومات وأكثرها ظلماً تمّت الإطاحة بها والبقية ستتبعها. لن تستطيعوا إبقاء أيّ بلد تحت حكم عائلة أو قبيلة بعد الآن. نظام جديد في طور التشكّل في العالم يرتكز أساساً إلى الروحانية والعدل». لَخّص اللواء الشهيد في هذا الخطاب الذي ألقاه في كرمان في 27 آب/ أغسطس 2011 موقف قيادة الجمهورية الإسلامية من الطابع الرئيس للانتفاضات الشعبية التي عصفت بالعالم العربي منذ نهاية 2010، والتي كان المرشد علي خامنئي قد وصفها بـ«الصحوة الإسلامية» في خطبة ألقاها في 4 شباط/ فبراير من السنة نفسها في ذكرى الثورة الإيرانية. بطبيعة الحال، لم تَغِب عن بال القيادة الإيرانية حقيقة أن الزلزال الشعبي الهائل الذي وقَع سيَفتح الباب أمام صراعات داخلية محتدمة حول الخيارات الواجب اعتمادها بعد إزاحة رأس هرم السلطة في بلدين كتونس ومصر مثلاً، وأمام التدخلات الخارجية للحؤول دون القطيعة مع السياسات المتّبعة من قِبَل النخب الحاكمة سابقاً. صراع الخيارات بعد إسقاط رأس هرم السلطة بين التيارات والقوى المتعدّدة المشارِكة في الثورات هو واقع عرفته غالبيتها في التاريخ المعاصر، بما فيها الثورة في إيران.

لقد جاء الدعم الذي وَفّره للمقاومة ترجمة لقناعاته بأن فلسطين هي القضية الكفيلة بجمع شمل الأمّة

وقد كشف السيد حسن نصرالله، في مقابلته الأخيرة مع قناة «الميادين»، أن الشهيد سليماني كان متخوّفاً من إمكانية ركوب الولايات المتحدة موجة الثورات لحرفها عن مسارها، ومنعها من تحقيق أهدافها، وتهديد الأنظمة المعادية لهيمنتها، كما تمّ لاحقاً في سوريا. لكن، وعلى الرغم من إدراكها لهذه المخاطر، فإن القيادة الإيرانية راهنت على أن الأطراف الإسلامية المساهِمة في هذه الثورات، وبينها «الإخوان المسلمون» الذين تربط إيرانَ بقسم وازن من قياداتهم علاقات قديمة ووثيقة، ستكون القوة المركزية في الدفع نحو تحوّلات جذرية سياسية واقتصادية تنسجم مع ثوابتها الأصلية في الدفاع عن الاستقلال وعن قضية فلسطين، ومناهضة الهيمنة الإمبريالية. رأت هذه القيادة في الثورات العربية فرصة تاريخية لتحقيق الوحدة الإسلامية التي دعت إليها الثورة في إيران منذ انتصارها. مصادر كثيرة، قريبة من إيران و/ أو معادية لها، ككتاب «قائد الظلّ» للصحافي الإيراني المعارض أراش عزيزي، تُؤكّد أن المسؤولين في هذا البلد، وبشكل خاص الشهيد سليماني، عملوا بكدّ في تلك الفترة للتوصّل إلى صيغة تنسيق مع القوى الإسلامية العربية. غير أن التحالف مع ايران لم يكن توجُّهاً يحظى بالإجماع داخل قيادات هذه القوى، وقد رأى تيّار معتبَر في صفوفها أن استراتيجية «التمكين» التي ينادي بها، والتي تقدّم أولوية الوصول إلى السلطة على ما عداها، تفترض التوصّل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، ما يتعارض وتعزيز العلاقات مع طهران. التطوّرات التي تلت، الناجمة عن تفاعل عوامل داخلية وخارجية، أدّت إلى إقصاء القوى الإسلامية من السلطة كما تمّ في مصر، أو تحجيم دورها ونفوذها كما جرى في تونس. ومن دون الدخول في تقييمات حول أسباب هذا الأمر، فإن الثابت هو أن القيادة الإيرانية، والشهيد سليماني شخصياً، أَمِلا في أن يكون انتصار الانتفاضات مناسبة للتأسيس لوحدة سياسية بين دول الفضاء العربي - الإسلامي حول قضاياها المشتركة.

أولوية فلسطين في جميع الظروف
أفضى الصراع الذي انفجر في سوريا سنة 2011 إلى انقسام حادّ بين الأحزاب والتنظيمات الإسلامية التي كانت في غالبيتها العظمى، باستثناء تلك السورية، تقف في المعسكر نفسه المؤيّد للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، والرافض للهيمنة الأميركية - الإسرائيلية منذ بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي. وقد عَزّز الدعم الكبير والمتعدّد الأوجه من قِبَل إيران و«حزب الله» للمقاومة الفلسطينية، وفي القلب منها «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، من تماسك المعسكر المذكور، وتَجلّى ذلك خلال العدوان على لبنان في صيف 2006 وفي الحروب على غزة في أعوام 2008 - 2009 و2012. غير أن الخلاف الذي تفاقم حول المعركة الدائرة في سوريا، والذي أدّى إلى خروج «حماس» من هذا البلد، أفضى إلى اتّهامات حادّة متبادلة بين مكوّنات المعسكر المذكور. وفي أوج الخلاف، أي في صيف 2014، عندما وقع عدوان صهيوني جديد على غزة، حرص الشهيد سليماني على إعلان وقوفه بقوّة إلى جانب المقاومة الفلسطينية و«كتائب عزّ الدين القسّام» تحديداً، الذراع العسكرية لـ«حماس»، في رسالة وَجّهها إلى قيادتها ومجاهديها. وجاء في الرسالة أن «فلسطين في هذا الزمن هي الحدّ الفاصل بين الحق والباطل وبين الجور والعدالة... هي البركان الإلهي الذي لا يمكن إخماده إلا بدحر الغاصب المحتل. سنستمرّ في نصرة فلسطين حتى تبيت الأرض جهنماً للصهاينة ولن نتوانى للحظة عن الدفاع عن المقاومة ودعمها ودعم الشعب الفلسطيني». ليس سرّاً في مرحلة ما بعد العدوان أنه قام بدور أساسي لرأب الصدع بين «حماس» وإيران، ولتعزيز التحالف بين الطرفين. لقد جاء الدعم النوعي الذي وَفّره لفصائل المقاومة ترجمة لقناعاته المبدئية بأن فلسطين، إضافة إلى كونها قضية حق، هي القضية المركزية الكفيلة بجمع شمل الأمّة التي عمل الأعداء على تقسيمها وتأجيج الفتن في داخلها لتأبيد سيطرتهم عليها.