بعد أيام على اغتيال اللواء قاسم سليماني، كان ديوسدادو كابيلّو، أحد أقوى الشخصيات في الحكم في فنزويلا (في العسكر كما بين المدنيين)، يلقي خطاباً في التجمع العالمي المناهض للإمبريالية، فافتتحه بطلب وقوف الحاضرين تحية «للشهيد الكبير الجنرال قاسم سليماني، الذي اغتيل على يد الإرهاب الأميركي الشمالي».

الرجل الذي أنقذ هيوغو شافيز من انقلاب العام 2002 وساهم في إنقاذ بلاده من محاولات انقلابية أخرى لاحقاً، لم يكن يتحدّث عن شهيد محور المقاومة من منطلق «التضامن الثوري» حصراً. هو يرى في إيران داعماً لبلاده أيضاً. توقيت الخطاب سبق بستة أشهر وصول شحنات البنزين الإيراني إلى فنزويلا. لكنه تلا سنوات من التعاون بين طهران وكاراكاس في نواحي شتى، أبرزها الجانب العسكري الذي قلما يُصرّح عنه المسؤولون في البلدين. هناك برنامج عمل، هدفه تعويض النقص الذي تعانيه فنزويلا في قطع غيار الأسلحة والطائرات بسبب الحصار الأميركي، إذ سبق لإيران أن خاضت تجربة مشابهة مع جزء من سلاحها الأميركي الصنع مذ كانت تحت حكم الشاه. لكن الأهم هو مساعدة إيران لكاراكاس على مأسسة «الميليشيات الشعبية» في الدولة اللاتينية، لحماية نظام الحُكم من الانقلابات. طيف قاسم سليماني كان حاضراً في كل هذه الميادين.
لكن كابيلّو كان ينطق بلسان تيار عريض في «الوطن اللاتيني الكبير». هذا التيار اليساري، سواء في الحكم أو خارجه، يرى في إيران الثورة، ومحور المقاومة، حليفاً موضوعياً. ففي تلك البلاد، ومنذ أكثر من 120 عاماً، كانت غالبية التجارب الاستقلالية الحقيقية تصطدم بالسياسات التوسعية للشمال. كان القائد الوطني الكوبي، الشهيد خوسي مارتي، من أوائل الذين تنبّهوا إلى هذه المعضلة، حيث لا تزال أطماع «أميركا الشمالية» هي العائق الأول أمام الاستقلال في أميركا الجنوبية.
يوم أمس، لاقى الرئيس البوليفي السابق وزعيم التحالف اليساري الحاكم في بلاده، إيفو موراليس، كابيلّو، ليصف سليماني بأنه أحد «أبطال القتال ضد الإمبريالية وشهدائه في العالم». كان موراليس أيضاً ينطق باسم التيار نفسه. هذا التيار الذي يرى أن تطوير بلاده وتحسين حياة السكان فيها يمران حتماً بمواجهة العدوانية الإمبريالية الأميركية.

هي الحرب الكبرى التي يجب أن تُخاض، بالصورة نفسها التي خيضت بها بعد عام 1982، انطلاقاً من لبنان


استحضار كابيلّو وموراليس (من بين عشرات الأمثلة في أميركا اللاتينية) لا يهدف إلى «افتعال» بُعد أممي لشخصية سليماني. فهذا البُعد موجود فعلاً. ويندر، في العقود الأخيرة على الأقل، العثور على شخصيات يترك حضورها، كما غيابها، أثراً كبيراً في كل دول الإقليم، وصولاً إلى «أقاصي» العالم، كما هي حال سليماني. على مدى 22 عاماً، كان سليماني يعمل كوزير ثانٍ لخارجية إيران، ورئيساً ثانياً لجهاز استخباراتها الخارجية، وقائداً لقواتها خارج الحدود، وسفيراً فوق العادة لقائدها، وصلة وصل بينها وبين حلفائها، كما بين الحلفاء أنفسهم. وفي جميع الأدوار، لم يكن الحاج قاسم منفذاً لسياسات وحسب، بل صانعاً لها، ومشاركاً في رسمها. يمكن النظر إلى دوره في الحرب السورية، بعد عام 2012، كمثال اعتمده في كل عمله. ابتدع تجربة «الممرات الآمنة»: طرق يصل طول بعضها إلى عشرات الكيلومترات (وأحياناً المئات)، تخترق «أراضي العدو»، لتصل «الأراضي المحررة» بعضها بالبعض الآخر، وتسمح بنقل آمن للمقاتلين والسلاح والمال والغذاء والوقود وما يلزم للحياة، وتغيّر مجرى المعارك. هكذا كان يفعل أيضاً بين الحلفاء، في الإقليم وحول العالم.
يصعب، بعد مرور عام على اغتياله، سدّ الثغرة التي خلّفها غيابه. والمحور الذي كان أحد قادته، مُلزم، بعد مرور 12 شهراً على الجريمة، بالرد على قتله غيلة، مع رفيقه القائد أبو مهدي المهندس. وهذا الرد ليس للثأر حصراً، بل هو، أولاً، لإعادة ميزان حياة المحور إلى ما كان عليه قبل الثالث من كانون الثاني 2020. والرد هنا لا يكون، بإيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية في صفوف العدو، على المستويات كلها، وحسب. فموازين القوى تَحُول، حتماً، دون التكافؤ في الضربات. الرد، في المقام الأول، هو في توسيع المساحات الآمنة، عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً، حول «الممرات الآمنة» التي أقامها سليماني ورفاقه، الشهداء منهم والأحياء، في طول الإقليم وعرضه، كما حول العالم. وتوسيع هذه الرقعة يبدأ بإخراج قوات الاحتلال الأميركي من الإقليم. هي الحرب الكبرى التي يجب أن تُخاض، بالصورة نفسها التي خيضت بها بعد عام 1982، انطلاقاً من لبنان. فاستقلال هذه البلاد مستحيل من دون مواجهة العدوانية الإمبريالية الأميركية، وأبرز مظاهرها الاحتلال العسكري المباشر.