هل تتحمّل إسرائيل حرباً بحرية مفتوحة مع إيران؟ هل لديها مصلحة في فتح جبهة كهذه؟ وماذا عن تقدير الخسائر إن "تدحرجت" الأمور إلى مواجهة، ولا سيّما أنّ 90 في المئة من مواردها ترد إليها عبر البحار؟ هي أسئلة ضمن أخرى، تتمركز، هذه الأيام، على طاولة القرار في تل أبيب، بعد هجمات صاروخية استهدفت إحدى سفنها، قبل يومين في خليج عمان، اتهمت إسرائيل إيران بالمسؤولية المباشرة عنها.

تردُّد إسرائيل الرسمية، والامتناع عن التعليق على استهداف إحدى سفنها قبل أيام، كانا دالَّين على أنّ الاستهداف فاجأ تل أبيب، وإن كانت قد أنكرت ذلك لاحقاً. التردّد كان لافتاً، بل إنّ وزارة النقل الإسرائيلية أشارت إلى أنّها لا تعلم شيئاً عن سفينة إسرائيلية استُهدفت في الخليج، فيما كان الخبر، والتعليقات عليه، يتقدّمان أنباء وسائل الإعلام العبرية. وعاد هذا التردّد ليتراجع، مع بدء إطلاق الاتّهامات إلى إيران، بشكل شبه رسمي، وهو ما ورد على لسان كبار المسؤولين في تل أبيب، وإن عبر تلميحات كادت أن تكون مباشرة.
اللافت في الاتهامات أنّها شملت رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي، في إشارة تأكيدية إلى أنّ الاستهداف موضع اهتمام المؤسّسة العسكرية، الأمر الذي يدلّ أيضاً على وجهة المداولات في تل أبيب ومضمونها.
الواضح، إلى الآن، أنّ الصمت واللا تعليق الرسميين في إسرائيل، انقلبا إلى اتّهام، وإن عبر تلميحات. فهل يشير ذلك إلى أن إسرائيل قرّرت الرد، بشكل أو بآخر، على ما تتّهم به إيران؟ أم أنّ الأمور تتّجه إلى خيارات أخرى؟
اتخاذ القرار غير سهل، ويحمل تعقيدات كثيرة ومتشعّبة، ليس في ما يتعلّق بالرد نفسه ومستواه وتناسبيّته، أو التعقيد المتعلّق بضرورة أن يكون كفيلاً بردع إيران من دون أن يتسبّب في تصعيد شامل معها، بل أيضاً في ما يتعلّق بالظرف الإقليمي والدولي المبني على التغيير في توجّهات الإدارة الأميركية تجاه المنطقة، وتحديداً رغبة واشنطن في العودة إلى مسار التفاوض والحل الدبلوماسي مع الجانب الإيراني. وهو أمر يعقّد مهمّة الرد الإسرائيلي إن تقرّر، ويمنع أن يتجاوز حده.

قدرة إيران على استهداف السفن الإسرائيلية أعلى بكثير من تلك التي لإسرائيل


واحدة من العراقيل التي من شأنها منع الرد، أو الحد منه إلى مستوى غير تناسبي، هي إمكان ان يتسبّب في مواجهة بحرية مفتوحة، عبر الرد الإيراني على الرد، وما يعقبه من ردود متبادلة، لا يصعب التقدير أنّها ستكون سلبية، وسلبية جداً على إسرائيل. واحدة من هذه السلبيات، أنّ قدرة إيران على استهداف السفن الإسرائيلية، أو تلك المتوجّهة إلى إسرائيل، أعلى وأكثر اتّساعاً من تلك التي لإسرائيل في مواجهة إيران. لدى إيران تماسٌ مباشر مع الطرق البحرية على اختلافها، داخل الخليج وخارجه وصولاً إلى المحيط الهندي الأوسع. كما أنّها صاحبة تأثير أكثر من مباشر، يمكّنها من استهداف كلّ ما يعبر باب المندب، بوابة البحر الأحمر جنوباً، وهو أهم الطرق البحرية المؤدّية إلى إسرائيل.
وما هو موضع تداول ونقاش في تل أبيب (بحسب صحيفة "هآرتس")، ومن شأنه تكبيل يد صاحب القرار، أنّ المواجهة البحرية تمنع عدداً كبيراً جداً من شركات الشحن البحري، وكذلك شركات التأمين البحري، من تمكين السفن التجارية من التوجّه إلى إسرائيل. كما أنّ رفع ثمن الشحن والتأمين عليه إلى حدود خيالية، واحد من الاعتبارات التي ستكون موجودة على طاولة القرار الإسرائيلي، قبل أن يتبلور.
في المقابل، فإنّ اللا رد يعني دفع إيران إلى مزيد من الهجمات، التي يمكن أن تزداد بوتيرة متصاعدة، مع نيات مسبقة بإلحاق خسائر بشرية ومادية هائلة بالسفن الإسرائيلية. وهو عامل قلق وخشية مسبقَين، سيكونان أيضاً حاضرَين، وبقوة، على طاولة القرار قبل تبلوره. كلّ ذلك إلى جانب عامل الكبح، الذي من المفترض أن يكون أميركياً، ليس باتجاه الرد، بل بما يتعلّق بمستواه وحدوده، وهو ما لا ترغب واشنطن أن يخرج عن التناسبية، وربما أيضاً أن لا يجبر إيران على الرد، الأمر الذي لا يتوافق مع إرادة الردع الإسرائيلية.
إذاً، يتجاذب الرد الإسرائيلي بين المانع والدافع. وفي حال تقرّر، سيظهر تجاذب من نوع آخر يتعلّق بمستواه وفاعليته. وربما هذا ما تسبّب، إلى الآن، في امتناع إسرائيل عن اتّهام إيران بصوت مرتفع جداً، وبالاكتفاء بالتلميحات.
وفي هذا الإطار، تأتي تسريبات نُشرت أمس في الإعلام العبري (موقع واللا الإخباري)، عن مصادر أمنية إسرائيلية عمدت إلى التقليل من عملية الاستهداف. فوفقاً للمصادر، "مَن هاجم السفينة لم ينوِ إغراقها، بل الإشارة لإسرائيل إلى النيات المستقبلية. وهذا يعدّ عمل محترفين". وهذه "الإشارة التخفيفية"، جاءت أيضاً في موازاة تشديد مصادر أمنية إسرائيلية أخرى، على أنّ التوجّه هو الرد، فـ"إسرائيل لا تستطيع أن تكبح نفسها عن هذا الحدث؛ إذ يتعلق الأمر بعملية خطيرة جداً". وما ورد على "القناة 12"، يبدو أكثر دقّة وتعبيراً عن الواقع، إذ أشارت إلى أنّه "يُتوقع أن يدير رئيس الحكومة جلسة نقاش يبحث فيها هذا الموضوع، وإن كانت إسرائيل سترد على هذا الهجوم. وإذا كان الجواب نعم فبأي شكل، وكيف يمكن على سبيل المثال فعل ذلك مقابل الأميركيين الذين يباشرون الآن مفاوضات مع الإيرانيين بشأن البرنامج النووي لإيران".

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا