أثارت وزيرة التعليم العالي الفرنسية، فريديريك فيدال، سجالاً واسعاً في البلاد، بعدما طالبت بتحقيق في حقل العلوم الاجتماعية، التي تفشّت فيها ما سمّتها «الإسلاموية - اليسارية»، للتمييز بين الدراسات العلمية الجادّة وتلك المنحازة أيديولوجياً. إثر ذلك، عَبّر مؤتمر رؤساء الجامعات في فرنسا عن صدمته مما جاء في تصريح فيدال، بينما طالب 600 أستاذ في عريضة نُشرت في «اللوموند» باستقالتها. وأسف «المركز الوطني للأبحاث العلمية»، بدوره، لما رآه «استغلالاً سياسياً للعلم»، ولكنه وافق على المشاركة في التحقيق المطلوب من الوزيرة، والذي سيَصدر في صيغة تقرير في الأشهر المقبلة.

وفي سياق الحرب على «الانفصالية الإسلامية»، بات قسم من الطبقة السياسية يستهدف قطاعات من الباحثين والأساتذة الجامعيين. يُتّهم هؤلاء بتشجيع مقاربة «إثنية» للعلاقات الاجتماعية، ونضالية أكاديمية «راديكالية» عبر إعطاء الأولوية للأبحاث حول العنصرية وما بعد الكولونيالية وأنماط التمييز المتعدّدة. لكن رموزاً بارزة في العالَم الأكاديمي الفرنسي تتصدّى لهذه الهجمة، وتدين استخدام مفهوم غير علمي وسجالي صرف لنزع الشرعية عن الذين لا يندرجون في الإجماع الأيديولوجي - السياسي السائد، وتُحذّر من انزلاق نحو «ماكارثية» على الطريقة الفرنسية.
يؤكّد بيير أندري تاغييف، المؤرّخ والمفكّر السياسي، «أُبُوّته» لمفهوم «الإسلاموية - اليسارية»، عندما أطلق منذ نحو 20 عاماً «حملة صليبية»، بكلّ ما للكلمة من معنى، ضدّ دراسات ما بعد الكولونيالية. وهو استخدم هذا المفهوم في مجموعة من المحاضرات في بداية الألفية الثانية، عند حديثه عن التظاهرات المؤيّدة للانتفاضة الثانية الفلسطينية، لإدانة ما اعتبره تحالفاً بين تنظيمات كـ»حزب الله» و»الجهاد الإسلامي» و»حماس» ومجموعات يسارية جذرية تروتسكية وفوضوية. كما قام بترويج المفهوم المذكور في كتابه الصادر عام 2002 بعنوان «الكراهية المستجدّة لليهود»، والذي نَبّه فيه إلى طغيان البعد الإسلاموي على الأنشطة والفعاليات «الثورية»، وانتقال «الشغف الثوري من الشيوعية نحو الجماعات المغلقة». والهدف الفعلي لذلك التحالف، في نظره، بين القوى اليسارية الجذرية وتلك ذات المرجعية الإسلامية، والتي يُنظَر إليها على أنها تُمثّل المستضعفين والبروليتاريا الجديدة، هو تدمير القيم الغربية والنظام الرأسمالي.

أضحى العالَم البحثي والأكاديمي مُتّهماً بكونه أرضاً خصبة لانتشار «الإسلاموية - اليسارية»


هكذا، أضحى العالَم البحثي والأكاديمي في فرنسا مُتّهماً بكونه أرضاً خصبة لانتشار «الإسلاموية - اليسارية»، «تهيمن فيه الأيديولوجيا على حساب المعرفة العلمية»، بحسب تاغييف. «على الرغم من كونهم أقلية، فإن أتباع مدرسة ما بعد الكولونيالية قد استوطنوا قطاعات بعينها في الحقلَين الأكاديمي والبحثي، وتَحوّلوا إلى شرطة أكاديمية لا ترحم»، وفقاً لتاغييف، في مقابلة أجراها مع أسبوعية «ماريان» في الـ22 من الشهر الماضي. يتبنّى الخبير السياسي، جيل كيبيل، أيضاً، هذه الاتهامات، معتبراً، في مقابلة مع «فيغاروفوكس»، أن «الجامعات مخترَقة من أوساط ما بعد الكولونيالية، التي لا تقيم وزناً للقيم الجمهورية، لأن الأخيرة سَوّغت في نظر تلك الأوساط جرائم الاستعمار، وما زالت وظيفتها الفكرية تأمين شروط خضوع ضحاياها».
منذ اشتعال هذا السجال، يسعى العديد من الباحثين المعروفين إلى مواجهة هذه الاتهامات وإثبات افتقادها أيّ أساس علمي، واندراجها في «مشروعٍ غايتُه وضْع الأبحاث والأكاديميا تحت وصاية سياسية - إدارية»، برأي الفيلسوف إدوارد ميل. أمّا الخبير السياسي المُتخصّص في الشؤون الإسلامية، أوليفييه روا، فيَعتقد أن مصطلح «الإسلاموية - اليسارية» غير العلمي يرتكز على مماهاة قسرية بين الإسلام والمسلمين، مُذكّراً بأن دراسات ما بعد الكولونيالية لا تتطرّق بتاتاً إلى الإسلام كدين، بل هي تتمحور حول أوضاعِ أقلّيةٍ في المجتمع الفرنسي، وتأخذ في الاعتبار لجوءها إلى «مؤشّرات الهوية». ويضيف أن الباحثين لم يخترعوا موضوع بحثهم، ولا يتحمّلون أيّ مسؤولية عن «عرقنة» العلاقات الاجتماعية، بل يحاولون فهم تلك الظاهرة لا أكثر.
ويُنبّه المؤرّخ باسكال بلانشار، المتخصّص في دراسات ما بعد الكولونيالية في فرنسا، من جهته، إلى مخاطر تحقيق سيفضي إلى تصنيف الباحثين بين طيّبين وأشرار. ويهدف هذا الأمر، بحسبه، إلى عزل جميع الذين يعملون على تحليل تداعيات الموروث الاستعماري والبعد العرقي في المجتمعات الغربية، وإلى تقديم أبحاثهم على أنها تهديد للجمهورية والعيش المشترك. ويلفت بلانشار إلى أن هذه الموضوعات البحثية برزت في الوسط الأكاديمي الفرنسي منذ 30 عاماً، لكنها بقيت ثانوية من حيث الأهمية مقارنة بتلك الجارية في الوسط الأكاديمي الأنغلو - ساكسوني. وفي الواقع، فإن دراسة المسارات الإثنية في فرنسا ما زالت بمثابة الموضوع المُحرّم، بسبب الأيديولوجيا الجمهورية التي تُروّج لأسطورة المساواة بين المواطنين وتتجاهل هويّاتهم الاجتماعية.
مناخات الحرب الأيديولوجية داخل المجتمع الفرنسي هي نتاج لحملات تعبوية تشنّها مجموعات عنصرية كـ»الربيع الجمهوري»، ولعرائض ومقالات لشخصيات تُبشّر بأطروحات بيير أندري تاغييف. وقد وَفّرت عملية قتل صامويل باتي، في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، فرصة جديدة للسياسيين لاستئناف مثل هذه الحملات ضدّ جزء من المجتمع الفرنسي؛ إذ حذّر وزير التعليم، جان ميشيل بلانكي، مثلاً، أمام مجلس الشيوخ، من مغبّة تفشي «الإسلاموية - اليسارية» في الجامعة باعتبارها معطًى اجتماعياً غير قابل للإنكار. وتشي تلك التصريحات بإرادة لتوظيف الخوف الجمعي وتوجيهه ضدّ جامعيين وباحثين على أنهم مصدر للتهديد الداخلي، أي عدو داخلي، يتيح التركيز عليه تجاهل أيّ تفكير في الأعطاب البنيوية العميقة التي تستشري في المجتمع الفرنسي.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا