من الممكن الجزم، من دون أيّ مبالغة، أن المنطقة الوحيدة في العالم التي صدرت عن بعض دولها ردود فعل سلبية حيال احتمال عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران هي منطقتنا. بقية دول العالم، حتى تلك غير المعنيّة مباشرة بقضايا الشرق الأوسط، رأت أن مثل هذا الاحتمال، في حال تحقّقه، ينمّ عن اتباع الإدارة الأميركية الجديدة مقاربة واقعية في سياستها الخارجية قد يكون لها انعكاسات إيجابية في هذا الإقليم. وبمعزل عن مدى دقّة هذه القراءة، وعمق إدراكها للخلفيات الفعلية للمدافعين عنها، فإن أصحابها يدركون النتائج الكارثية الناجمة عن سياسات الحرب والعدوان والغطرسة التي اعتمدتها الولايات المتحدة، وما زالت، على أمن شعوب المشرق العربي وأميركا اللاتينية وأفريقيا واستقرارها. على النقيض من هؤلاء جميعهم، تقف جبهة متراصّة تضمّ إسرائيل وأنظمة خليجية وعتاة الرجعيين في أميركا، مصابةً بهلع عظيم من أيّ مؤشر إلى التراجع عن سياسات الغطرسة والحرب من قِبَل واشنطن في إقليمنا المنكوب بسببها أساساً. أحد كُتّاب الأعمدة في صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية، انبرى ليكون ناطقاً رسمياً باسم جبهة المذعورين عندما أسف لما اعتبره علامات ضعف تبديها إدارة بايدن تجاه إيران، مع تعيينها روبرت مالي مبعوثاً خاصاً إليها، والتصريحات الأخيرة التي أدلى بها، والتي تستجدي، بنظره، التفاوض معها بأيّ ثمن. والواقع هو أن إدارة بايدن أبدت، حتى الآن، في سياستها الخارجية تشدّداً مفرطاً، دفع بدايفيد غودمان في «آسيا تايمز»، مثلاً، إلى القول إنها أشبه ما تكون بفريق الإعدام الذي يحيط دائرياً بالمحكوم عليه، ويقتل بعضه بعضاً عندما يطلق النار. فخلال 72 ساعة، هدَّدت روسيا والصين والهند وألمانيا بعقوبات، على الرغم من أن الأخيرتَين حليفتان لها، ويرتبط نجاح استراتيجيتها ضدّ روسيا والصين باستعدادهما للتعاون معها. غير أن هذه السياسة، التي تُعدُّ استمرارية لغطرسة القوّة، تواجَه باعتراضات متزايدة من قِبَل أوساط في النخبة الأميركية، ممثلةً في الإدارة وفي خارجها، تدعو إلى أخرى أكثر تواضعاً في أهدافها، تتناسب فعلياً مع القدرات المتراجعة للأمبراطورية الأميركية. وقد عكس مقال نشر على موقع «وور أون ذا روكس» بعنوان «التواضع في الاستراتيجية الأميركية الكبرى» لماثيو بوروز، الذي خدم 28 عاماً في الاستخبارات المركزية والمجلس الوطني للاستخبارات، والمدير الحالي في «مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن»، وروبرت مانينغ، الذي عمل أيضاً في المجلس الوطني للاستخبارات وفي فريق التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، قبل أن يصبح باحثاً رئيساً في «سكوكروفت»، هذا الرأي المؤيِّد لمراجعة عميقة للسياسة الخارجية الأميركية.

ماثيو بوروز وروبرت مانينغ ليسا كاتبين يساريين نقديَّين للسياسات الإمبريالية. هما خَدَمَا في الأجهزة الأمنية الأميركية لعقود، وهي إحدى أبرز مؤسسات ما يسمَّى «الدولة العميقة». يعني هذا الأمر وجود تباينات فعلية في داخل هذه المؤسسات حول السياسة الخارجية الواجب اتباعها من قِبَل واشنطن. يعتبر الكاتبان أن مجرَّد حديث جو بايدن عن عودة أميركا إلى القيادة، هو بمثابة «إعادة التدوير» لاستراتيجية ما بعد الحرب الباردة التي لم تعد ملائمة لوقائع عالم اليوم. هما يذكّران بما أشارت إليه آن ماري سلوتر، المديرة السابقة للتخطيط السياسي في الخارجية الأميركية، في مقالة لها في «فايننشال تايمز»، من ضرورة انطلاق فريق بايدن من فرضية أن الولايات المتحدة لم تعد قوّة لا بدّ منها، عند تفكيره في كيفية قيادة العالم. تتطلّب هذه المهمة، برأيهما، المواءمة بين الوسائل والغايات، وهي مهمّة بالغة الصعوبة في مرحلة من التاريخ «شديدة الحيوية والسيولة». الحفاظ على الهيمنة المنفردة والشاملة هو الغاية الأولى والثابتة لجميع الاستراتيجيات الأميركية التي تمّت بلورتها منذ «اللحظة الأحادية» التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي إلى اليوم. غير أن هذه الهيمنة «تراجعت تدريجياً، مع عملية انتقال مركز القوّة الاقتصادية من الغرب إلى الشرق ومن الشمال إلى الجنوب، وتضييق الفجوة بين القدرات العسكرية الأميركية وتلك الصينية. تكثر الأمثلة في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية، في القرن الـ21، على حدود القوة الأميركية: تراجع الرئيس باراك أوباما عن خطوطه الحمر في سوريا، المأزق في أفغانستان، حملات الضغوط القصوى في كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا التي أدّت إلى مقاومة قصوى مقابلة وصراع مفتوح، وتعرفات ترامب الجمركية وعقوباته وفسخ الشراكة الجزئي مع الصين، التي أفضت جميعها إلى خسائر صافية للاقتصاد الأميركي، بينما راكمت الصين فوائض تجارية مهمّة واجتذبت الرساميل إلى أسواقها المالية». يستشهد الكاتبان بجملة للممثّل كلينت إيستوود في فيلم «هاري القذر» الشهير: «على المرء أن يعرف حدوده». لقد اتّضحت في العقود الماضية حدود القدرات العسكرية الأميركية وكذلك السياسية. فالدولة التي نجحت في تشكيل جبهة عالمية ضدّ العراق في 1990، فشلت في ذلك في 2003، وهي تعجز اليوم عن منع حلفائها من تطوير شراكات اقتصادية وازنة مع روسيا والصين. إدراك حقيقة التعددية القطبيّة القائمة فعلاً، والانطلاق منها عند بلورة السياسة الخارجية الأميركية، يُعدّان ضرورة حيوية بنظر الكاتبين اللذين يقتربان من أطروحة زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد جيمي كارتر، ومفادها أن الولايات المتحدة يجب أن تسعى لتكون «الأولى بين متساوين»، أي أن تعترف لبقية القوى الدولية بدوائر نفوذ، وأن تؤسِّس علاقاتها معها على مبدأ توازن المصالح، وليس على التنافس وحده. التيار الرئيس في داخل «الدولة العميقة» ما زال متمسِّكاً على الأغلب بمشروع تأبيد الهيمنة، أولاً لأن تطوّر العقليات بطيء، وهو غالباً ما يتبع تغيُّر الواقع، كما يلفت الكاتبان. غير أن تضافر الأكلاف المرتفعة للمواجهة مع قوّتَين دوليتَين صاعدتَين من جهة، وإصلاح الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية من جهة أخرى، سيزيد من صدقيّة الدعوة إلى التواضع، أي عملياً تنظيم التراجع الأميركي في أكثر من بقعة من المعمورة.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا