لندن | لم يعد سرّاً أن الأولوية المركزية في السياسة الخارجية للإدارة الأميركية في عهد الرئيس جو بايدن، ستكون إضعاف العملاق الصينيّ الصاعد عبر شَنّ هجوم متعدّد الأوجه ضدّ بكين، يشمل تصعيداً عسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً وشحناً أيديولوجياً، بغاية تحييد ما تَعتبره التحدّي الأخطر لهيمنة الولايات المتّحدة. وهو ما تريد النُخبة اليمينية الحاكمة في بريطانيا اليوم، أن تنخرط فيه كشريك تابع. وكان وزير الخارجية الأميركي الجديد، أنتوني بلينكن، قد حدّد مزاج الإدارة الجديدة في أوّل خطاب رئيس له في 3 آذار/ مارس، عندما وصف صعود الصين بأنه «أكبر اختبار جيوسياسي» يواجه الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. وبعد أقلّ من أسبوع من هذا الخطاب، طلب رئيس قيادة المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال فيليب ديفيدسون، من الكونغرس، الحصول على 27 مليار دولار أميركي إضافية لتمويل شراء معدّات عسكرية جديدة وتوسيع المناورات القتالية، كي يتمكّن الجيش الأميركي من الوصول إلى درجة تأهُّب كافية في مواجهة الصين، وتحقيق الانتصار في حال نحَت المنافسة بين البلدين في اتجاه صراع مباشر.

ويبدو أن فريق بايدن قد شرع بالفعل في العمل على محاولة بناء جبهة دولية عريضة من حلفاء الولايات المتحدة، باعتبارها ركيزة أساسية لسياسة واشنطن الخارجية خلال العقد الحالي. جبهةٌ ستكون بريطانيا، كعادتها منذ الحرب العالمية الثانية، أوّل المسارعين إلى الانخراط فيها، وهو الأمر الذي تأكّد بعد نشر مراجعة للدفاع والسياسة الخارجية أجرتها حكومة حزب المحافظين عن دور بريطانيا في العالم (16 آذار/ مارس الحالي). وبحسب المراجعة، تَظهر المملكة وكأنها جرم تابع للولايات المتحدة التي تصفها الوثيقة بأنها «أهمّ حليف استراتيجي»، وتنحاز إليها بالمطلق في مواجهة «التحدّي المنهجي» الذي تُمثّله الصين، والتهديد «العدائي» الروسي.
وعلى رغم خطاب بوريس جونسون، التصالُحي النغمة، الذي رافق نشر المراجعة، والذي حاول فيه توصيف مشاركة بريطانيا في الحرب الباردة الجديدة ضدّ الصين باعتبارها «استراتيجية تتعلّق بالمحيطَين الهندي والهادئ»، ولا تتعارض مع السعي إلى بناء «علاقة اقتصادية أقوى وإيجابية» مع بكين، فإن تلك الرسائل لم تُقرأ إيجابية لدى الصين، حيث تُدرس الأمور برويّة وتمعّن، لتقود إلى خلاصة واحدة: بريطانيا تريد الحرب.
تتضمّن المراجعة المنشورة القرارات الأخيرة للحكومة بزيادة الإنفاق العسكري البريطاني إلى ما يصل إلى 24 مليار جنيه إسترليني على مدى السنوات الأربع المقبلة، وتعزيز وجود الجيش البريطاني حول العالم، ونشر حاملة الطائرات البريطانية الجديدة، «الملكة إليزابيث»، في بحر الصين الجنوبي اعتباراً من أيار/ مايو المقبل، إلى جانب قِطَع من الأسطول الأميركي مكلّفة بالقيام بجولات استفزازية قبالة سواحل الصين. لكن أخطر ما جاءت به المراجعة كان قرار حكومة حزب المحافظين التخلّي عن الالتزامات السابقة بخفض مخزون الأسلحة النووية في ترسانة لندن إلى 180 رأساً. وبدلاً من ذلك، فإن الخطة المعتمَدة الآن هي زيادة تلك الرؤوس إلى 260 (بنسبة 40 في المئة) توازياً مع التصعيد الأميركي ضدّ الصين. وهو ما يتعارض حكماً مع التزامات بريطانيا القانونية بموجب «معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية»، التي صادقت عليها المملكة المتحدة في عام 1970، وتُلزم البُلدان التي لديها أسلحة نووية بتخفيض أعدادها. ويتطلّب الالتزام بهذه الخطط موافقة مجلس العموم البريطاني، لكن حزب المحافظين الحاكم يتمتّع بأغلبية مريحة في المجلس الحالي، ولا يحتاج عملياً إلى تأييد أيٍّ من الأحزاب الأخرى، بما فيها حزب «العمل». والأخير، الذين يسيطر على قيادته - بعد إسقاط جناح جيريمي كوربن - تيّار يقف على يمين المحافظين، كان أقصى ما فعله عند طرح مسألة زيادة الإنفاق العسكري للمناقشة، أن اعتَبر الزيادة غير كافية، وتأتي متأخّرة بعد فوات الأوان. وتتقاطع سياسة حكومة المحافظين المناهِضة للصين في المجال العسكري، مع الحظر المفروض على عملاق الاتصالات «هواوي» بناءً على رغبة واشنطن، والذي يعني تأخُّر بريطانيا في الانتقال إلى الجيل الخامس من تكنولوجيا الاتصالات، وتحمُّل تكلفة أكبر من أجل ذلك.
ومن شأن تبنّي تلك الخطط والسياسات، التي تفوق حجم بريطانيا الحقيقيّ في العالم، إهدار مليارات الجنيهات من الخزينة العامة على بناء مزيد من الأسلحة النووية لدعم التموضع العسكري الأميركي في أعالي البحار، وهو ما قد يرتقي إلى جريمة حرب دولية، في وقت ترزح فيه الأكثرية في البلاد تحت الأعباء الثقيلة لجائحة «كوفيد - 19»، التي لا تزال أعداد ضحاياها في تزايُد، بعد تعدّيها الحاجز الرمزي لـ125,000 وفاة خلال سنة واحدة. كذلك، ثمّة حاجة ماسّة إلى محاربة الفقر المتّسع، والصفوف التي تمتدّ لكيلومترات من المنتظرين أمام بنوك الطعام الخيرية للحصول ما يسدّ رمقهم، وإطعام أطفالهم الذين لا يحصلون على غذاء كافٍ إلى درجة اضطرت «منظّمة الأمم المتحدة لرعاية الأطفال» (يونيسيف) للتدخُّل لمساعدتهم، وخلق ملايين فرص العمل بدل تلك التي فُقدت خلال فترات الإغلاق، وتمويل الخدمات العامة المتردّية مقارنةً بدول الجوار، ومعالجة متطلّبات التحوّل من الاعتماد على الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة البديلة، وغيرها من الأولويات الكثيرة التي لم تَعُد ترفاً، ناهيك بالطبع عن التعامل مع انعكاسات القرار المتهوّر بترك عضوية الاتحاد الأوروبيّ مع بداية العام الحالي، والمتوقّع أن يصيب المملكة بركود اقتصادي وأزمات إمداد لسنوات مقبلة على الأقلّ.

سيدفع قرار بريطانيا الصين وروسيا ودولاً أخرى إلى سباق تسلُّح نووي لا يُعرف مداه


ولا يقتصر الأمر على ذلك بالطبع، فبريطانيا التي تحتاج إلى بناء علاقات تبادُل تجاري مع الاقتصادات العالمية لتعويض ما ستفقده نتيجة اصطفافها خارج التكتُّل الأوروبي، ستخسر بانحيازها إلى السياسات العدوانية للولايات المتحدة شركاء هامّين جدّاً في مستوى الصين – ثاني أهمّ اقتصاد في العالم -، وبدرجة ثانية روسيا الثريّة، فيما لا ضمانات أميركية بمنح «الإمبراطورية العجوز» أيّ أولوية في العلاقات الاقتصادية، وسيحتاج توقيع اتفاقية للشراكة التجارية مع الولايات المتحدة إلى عدّة سنوات على أحسن تقدير. وهذا ما سيُترجَم بضياع فرص تجارية هائلة وتبخُّر آلاف الوظائف الممكنة، في حين سيترك الباب مشرّعاً أمام حلول قوى دولية أخرى محلّ بريطانيا، صاحبة الكعكة الصغيرة من التجارة العالمية.
على المستوى الدولي، سيدفع قرار بريطانيا دعم التوجُّهات الأميركية العدوانية، الصين وروسيا ودولاً أخرى – ربّما في الاتحاد الأوروبي أيضاً –، إلى سباق تسلُّح نووي لا يُعرف مداه. وهو ما يثبت، مجدّداً، ازدواجية معايير الديموقراطيات الغربية الماضية في حصارها لإيران وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا لحرمانها من تطوير الطاقة النووية السلمية، ويُدخل شعوب العالم الكبرى في متاهات الحروب، في وقت تتضاعف فيه الحاجة إلى التعاون عبر الحدود لمواجهة مجموع الكوارث المحدقة بالبشر، من أوبئة وتلوُّث وتغيُّر مناخي ومخاطر نووية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا