لندن | «لاسو» هو «لينين مورينو» (من شعار مكتوب على أحد جدران العاصمة كويتو)

يتوجّه الناخبون الإكوادوريون، صبيحة يوم غدٍ الأحد، إلى صناديق الاقتراع في جولة نهائيّة حاسمة لاختيار رئيس جديد للبلاد بعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي، اليميني المدعوم من واشنطن لينين مورينو. ويتواجه في هذه الجولة، كلّ من أندريس أراوز، مرشّح «التجمّع من أجل الأمل»، وغييرمو لاسو من ائتلاف للأحزاب اليمينية. وكانت الجولة الأولى قد جرت في 7 شباط/ فبراير الماضي، وتفوّق فيها أراوز بعدما حاز نسبة 32.72% من الأصوات، فيما احتلّ لاسو المركز الثاني بحصوله على 19.74%، بفارق ضئيل عن مرشح المركز الثالث ياكو بيريز (حُسم بعد أخذٍ وردّ وإعادة فرز ومحاكم لمصلحة لاسو).
عاشت الإكوادور، في المدّة ما بين الجولتَين، أيّاماً عصيبة بعدما تفاقم انتشار فيروس «كورونا»، وتكاثرت الوفيّات الناجمة عنه، في وقت بدا فيه النظام عاجزاً أمام الوباء وانعكاساته الاقتصادية، فضلاً عن فضائح الفساد المتلاحقة حول المُتاجرة باللّقاحات. ومضت مدّة التحضير للجولة الثانية في سياق سياسي مرتبك، نتيجة الاستقطاب العميق والحملات التي استهدفت أراوز، إضافة إلى مشاغبات جنحت إلى العنف أحياناً من أنصار بيريز - إثر استبعاده -، والحجم الهائل من المعلومات المضلِّلة التي بثّتها وسائل الإعلام البرجوازية، ووسائل التواصل الاجتماعي. وفي الخلفية، كانت واشنطن تضع ثقلها في اتجاه تجنُّب عودة الحالة اليساريّة إلى السلطة، بأيّ ثمن.
وقد علمت مصادر مقرّبة من السلطات في بوليفيا، عن عقد اجتماع سرّي في جزر غالاباغوس بين الحكومتَين الإكوادورية والأميركية، شارك فيه عن الجانب الإكوادوري الرئيس لينين مورينو، ونائبته ماريا أليخاندرا مونيوز، والأمين العام لمجلس الوزراء في مجلس الرئاسة خورخي واتم؛ وعن الجانب الأميركي، السفير إلى كويتو مايكل فيتزباتريك، وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين الأميركيين. وبحسب تلك المصادر، شكر مورينو حكومة الولايات المتحدة على مساعدة السفارة الأميركية لنظامه بتقديم جميع مسؤولي حكومته والدبلوماسيين الإكوادوريين في واشنطن إلى جهاز كشف الكذب للتحرّي عن الجهة التي سرَّبت معلومات نُشرَت قبل الجولة الأولى من الانتخابات، حول خطط مشتركة لمنع أراوز من الفوز. في حينه، صدرت تعليمات إلى خورخي واتم بالاستمرار في مراقبة حسابات البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي لجميع المسؤولين في كارونديليت (القصر الحكومي الإكوادوري)، وإبلاغ مورينو بأيّ أمور مقلقة. كذلك، جرى الاتفاق على عزل وزير الخارجية، لويس غاليغوس، من مجلس الوزراء الإكوادوريّ، بعدما عارض أوامر مورينو - فيتزباتريك، بتصعيد الصراع الدبلوماسي مع بوينس آيرس. وكان من المفترض أن يصوغ غاليغوس مذكّرة احتجاج لنظيره الأرجنتيني على تصريحات ألبرتو فرنانديز السلبيّة في شأن مورينو. ولكن الهدف الحقيقي كان توتير العلاقات بين الإكوادور والأرجنتين، بسبب العلاقات الوديّة التي تجمع رافائيل كوريا (الرئيس الإكوادوري الأسبق) وحليفه أراوز مع ألبرتو وكريستينا فرنانديز. كما طُلب إلى مورينو، بناء على إلحاح العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، التخلُّص من السكرتير السابق للرئاسة خوان سيباستيان رولدان لفشله في منع فوز أراوز في الجولة الأولى، وعدم تنفيذ جميع التدابير المتَّفق عليها مع الحكومة الكولومبية لربط الرئيس السابق كوريا بأعمال إرهابية.

تعيش نخبة الحكم في واشنطن قلقاً جدّياً من إمكان تكرار النموذج البوليفي


ومن المعلوم أن الاجتماعات عبر تطبيق «زوم» مستمرة بين الجانبين بشكل دوري ويحضرها دائماً الرئيس مورينو، وأعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي. وفي آذار/ مارس الماضي، عقدت اجتماعات ثنائية مع المسؤولين التنفيذيين لوسائط الإعلام العامة والخاصة لصوغ استراتيجية إعلامية للجولة الثانية من الانتخابات تستهدف تضييق فرص أراوز. وتضمنت الاستراتيجية التحذير من تحوّل الإكوادور إلى فنزويلا جديدة، ونشر إشاعة تمويل حملة اليسار الانتخابية من قِبَل ميليشيات كولومبية مسلحّة. وللمساعدة في ذلك، تم استئجار ربع مليون حساب مزيّف على «تويتر».
وفي موازاة ذلك، ضغط مورينو على وكالة مكافحة المخدرات والشرطة لاختلاق رابط بين أنشطة الإتجار بالمخدرات جواً وبحراً التي تم اكتشافها أخيراً على حدود الإكوادور مع كولومبيا، وحملة أراوز، بهدف الطعن في أحقيّة المرشّح الاشتراكي بخوض الانتخابات على أسس قانونية. الأميركيون أيضاً بذلوا جهوداً من وراء الكواليس للضغط على ياكو بيريز الذي يمثّل برجوازيّة السكان الأصليين لدعم لاسو، على رغم أن القطاع الأغلب من السكان الأصليين أنفسهم يفضلون دعم أراوز، وأعلنت بعض (قبائلهم) بالفعل تأييدها له. وقال الاتحاد الوطني لمنظمات الفلاحين والسكان الأصليين والسود إنّه سيدعم أراوز «بناء على تلاقي المبادئ الأيديولوجية والقناعة ببرنامجه الانتخابيّ». وبالنسبة إلى كثيرين في الإكوادور، يمثّل لاسو استمرارية موضوعية لسياسات حكم مورينو النيوليبرالية، ومنهجية الانقياد الكلي وراء واشنطن.
وقبل أسبوع فقط، أصدر مورينو مرسوماً في شأن فرض حالة الطوارئ في ثمانية أقاليم تحت ذريعة وقف انتشار فيروس «كورونا». وشملت الإجراءات فرض حظر التجول من الساعة 20:00 إلى الساعة 5:00 صباحاً، ومنع التجمعات، وفرض قيود على التنقّل والنقل والعمل والدروس. وقد أثار توقيت تلك الإجراءات الكثير من التساؤلات حول ارتباطه بالانتخابات. وقالت حملة أراوز إن «هذا الإجراء يعطي صلاحيات استثنائية لمورينو الذي يمكنه بحجة الطوارئ تعديل بروتوكولات العملية الانتخابية ويجعلنا قلقين من احتمال حدوث تلاعب بالعملية والنتيجة». ومن الواضح أيضاً أن حالة الطوارئ ستجعل من المستحيل على المواطنين التعبير عن موقفهم حال تمّت سرقة نتيجة التصويت. ومع ذلك كلّه، عُلم بأن السفير فيتزباتريك قدّم إلى مورينو تقييماً سرياً للجولة القادمة من الانتخابات يمنح أراوز أفضليّة للفوز بالجولة الحاسمة متفوقاً بـ20 نقطة على لاسو، وذلك استناداً إلى أحدث تحليل من قبل وكالات الاستخبارات الأميركية. وانعكس هذا التقييم مزاجاً سلبيّاً في كارونديليت، حيث نُفّذت عمليات واسعة لإخفاء المعلومات السرية والحسابات الخاصة بمورينو وعائلته، وتمّ التخلّص من وثائق رسميّة يمكن أن تدين مسؤولين من النظام الحالي. ويُجري السفير فيتزباتريك - الذي له مكتب دائم داخل القصر، جهوداً لإنشاء خليّة أزمة لإدارة البلد حال فوز أراوز، تضم شخصيات بارزة في النظام الإكوادوري - بمن فيهم نائبة الرئيس ماريا أليخاندرامونيز، وممثلين عن «منظمة الدول الأميركية»، إضافة إلى السفير نفسه. ومن الجلي أن نخبة الحكم في واشنطن تعيش قلقاً جدّياً من إمكان تكرار النموذج البوليفي (عودة انتخابيّة مظفّرة لليسار وسقوط النظام اليميني) في الإكوادور هذا الأحد، وتتحضّر لليوم التالي.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا