ربّما هي المرّة الأولى منذ عام 1923، تاريخ اعتبار ناغورنو قره باغ منطقة حكم ذاتي ضمن آذربيجان السوفياتية، التي يعيش فيها الأرمن، سواءً في أرمينيا أو في قره باغ أو في الشتات، لحظةً هي الأقسى منذ «الإبادة» في عام 1915. فبعد كارثة القتل والتهجير في ذلك العام، تفرَّق شمل الأرمن في تركيا أيادي سبأ، ولم يبقَ سوى أولئك القاطنين في ما عُرف لاحقاً بـ«جمهورية أرمينيا السوفياتية»، وعاصمتها يريفان، والتي باتت تُعتبر الموطن الرسمي للأرمن. ومعها، كان إقليم ناغورنو قره باغ (آرتساخ) يتحوّل إلى منطقة حكم ذاتي بقرار من وزير القوميات، جوزف ستالين، في عام 1923، واستمرّ على هذا النحو إلى حين تفكُّك الاتحاد السوفياتي ونشوب الصراع المسلّح بين الأرمن والآذربيجانيين، والذي انتهى إلى سيطرة الأرمن الكاملة على الإقليم، كما على جميع الأراضي الواقعة بينه وبين أرمينيا، وتالياً إلى إعلان ولادة «جمهورية آرتساخ». بقي الوضع على حاله إلى حين اندلاع «حرب الـ 44 يوماً» الأخيرة بين آذربيجان وأرمينيا حول قره باغ، والتي انتهت إلى إحدى أسوأ الكوارث التي عرفها الأرمن في المئة سنة الأخيرة. استعادت باكو كلّ الأراضي التي سقطت بيد يريفان، كما نصف مقاطعة قره باغ تقريباً. وفُرضت على الأرمن شروط قاسية ليس أخطرها السماح بفتح ممرّ تركي من نخجوان إلى باكو ومنه إلى الحدود الروسية، وما يشبه تقسيم الإقليم إلى واحدٍ آذربيجاني وآخر روسي. إزاء هذه الكارثة، امتنع رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، عن تحمُّل المسؤولية، رافضاً الاستقالة، إلى أن ارتضى التنازل بفعل ضغط الشارع، على أن تَجري انتخابات نيابية مبكرة قريبة يأمل أن تعيدَه إلى السلطة. إلى ذلك، افتُتحت في باكو في 12 نيسان/ أبريل الجاري حديقة عُرضت فيها مخلّفات الحرب الأخيرة مع أرمينيا. وقد أثار استعراض الرئيس الآذربيجاني، إلهام علييف، بثياب عسكرية، المئات من القبّعات الحديدية المعلّقة على الجدران لجنود أرمن قُتلوا أو أُسروا أو فُقدوا في الحرب، استياءً واستنكاراً واسعَين لدى الأرمن الذين اعتبروا العمل تحقيراً لقتلاهم، وانتهاكاً لأبسط حقوق أهالي القتلى والأسرى والمفقودين، ومأسسةً لكراهية الأرمن.

وسط هذه الظروف، يحاول الأرمن ألّا يضيّعوا البوصلة الرئيسة في جوهر حركتهم منذ أكثر من مئة عام، وهي أن الأتراك العثمانيين ارتكبوا «إبادة» في حقّهم ذهب ضحيّتها مليون ونصف مليون أرميني، فيما تُنكر تركيا هذا الاتهام وترى أن الرقم غير منطقي، وأن غالبية الأرمن ذهبوا ضحيّة تعاونهم مع عدوّ خارجي هو روسيا، خلال أحداث الحرب العالمية الأولى. ومع أن الأرمن الذين انتشروا في العالم، كانوا هم، وليس أرمينيا، حاملي لواء «القضيّة»، فإن الذكرى هذه السنة تحلّ وهم يحاولون إعادة تصويب البوصلة نحو مسألة «الإبادة»، المنطلَق الأهمّ في مجمل المسألة الأرمينية، ومن بعدها تأتي العودة إلى الأرض والتعويضات، وهو ما يعبّر عنه الأرمن باللغة التركية بثلاث تاءات (TTT): تهجير tehcir، وتعويضات tazminat، وأرض toprak. وما يزيد من المسألة الأرمينية تعقيداً، انحيازُ رئيس الوزراء الحالي، باشينيان، إلى الغرب على حساب العلاقات التاريخية مع روسيا، على رغم أن هذا الغرب وقف موفق المتفرّج في الحرب الأخيرة. وليس خافياً على أيّ أرميني أن واشنطن تلعب بهم لصالح منافعها النفطية والأمنية مع باكو.
في الذكرى الـ106 لـ«الإبادة»، لا يزال يَنظر الأرمن إلى البيت الأبيض لعلّه يُصدر بياناً يعترف فيه بالكارثة على أنها إبادة، خصوصاً في ظلّ دعوة عدد كبير من النواب والشيوخ، إدارة جو بايدن إلى الاعتراف بـ«الإبادة»، علماً أن الرئيس الأميركي نفسه استَخدم في أيلول/ سبتمبر 2019 مصطلح «إبادة» خلال حملته الانتخابية. ولوحِظ تجاهل غالبية الصحافة التركية هذه المناسبة مع إعلان الإقفال التام بدءاً من الأربعاء ولغاية مساء الأحد بسبب «كورونا»، فيما كان يحثّ الخطى على درب البحث في «الإبادة» المؤرّخُ التركي المعروف، تانير آقتشام، الذي يدرس في جامعة كلارك الأميركية، والمتخصّص في «الإبادة الأرمينية»، وله العديد من المؤلّفات حولها. وقبل أيّام، أجرت الصحافية فيليز غازي مقابلة في غاية الأهمية لصحيفة «غازيتيه دوار» التركية، مع المؤرّخ آقتشام، لمناسبة صدور كتابه الجديد «تاريخ قصير من الإبادة الأرمينية».
يشير آقتشام، ابتداء، إلى أن «الإبادة» في ميثاق الأمم المتحدة لعام 1948 استُخدمت للدلالة على حدث معيّن ومحدَّد، بينما يُعدُّ مصطلح «الإبادة» مساراً اجتماعياً. ومن هذه الزاوية، «يُفترض أن نفهم أن الإبادة الأرمينية في تركيا بدأت باتفاق برلين (1878)، وانتهت بمعاهدة لوزان (1923). وأهميّة البند 61 من اتفاق برلين أنه أشار، للمرّة الأولى، إلى الدولة العثمانية لاتخاذ تدابير تحول دون الاعتداء على الأرمن. للمرّة الأولى، جاء ذكر كلمة الأرمن، ليس للدلالة على وجود مشكلة بينهم وبين الدولة، إنّما للإشارة إلى اشتباكات ذات طابع إثني وديني في كلّ المنطقة بين قوميات مختلفة. ومن بعدها، بدأت تنظيمات أرمينية ثورية بالظهور. ووصلت المجازر ضدّ الأرمن إلى ذروتها بين عامَي 1894 و1897، عندما قامت الكتائب التابعة للسلطان عبد الحميد بقتل ما بين 80 إلى 300 ألف أرميني». كانت مطالب الأرمن اجتماعية وسياسية طبيعية، وعدم تحقيقها يعني تعريض وحدة البلاد للخطر. لكن النخبة العثمانية وجدَت في المساواة بين المسيحيين والمسلمين خطراً على البلاد. وبذلك، بات يُنظر إلى المسألة على أنها أمنية، ولا بدّ من حلّها على أساس «الأمن البنّاء»، وهو مفهوم استخدمه النازيون لاحقاً. من هنا، تَحدّدت للمسيحيين أماكن معيّنة ليقطنوا فيها، باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، ومنهم الأرمن والسريان، في ما يشبه راهناً وضع أكراد تركيا الذين لا يطالبون سوى بالعيش متساوين مع الأتراك.
في 24 نيسان عام 1915، اعتُقل حوالى 200 مثقّف أرميني، وكانت هذه بداية ما سيُعرف لاحقاً بـ«الإبادة الأرمينية». يقول آقتشام إن الاعتقالات طالت مثقّفين ليس في إسطنبول فحسب، بل في كلّ الأناضول. وهؤلاء، بحسبه، إمّا قُتلوا أو سُجنوا أو عُذِّبوا. ومن بعد المثقّفين، جاء دور رجال الدين، ثم قادة المجتمع الأرميني. حتّى أن العثمانيين استخدموا سوريا «حاوية للقمامة» - كما يصفها المؤرّخ معتذراً عن استخدام هذه الكلمة - لإلقاء الأرمن فيها. ويقدِّر آقتشام أرقام الذين استطاعوا الوصول إلى سوريا، حتى كانون الثاني/ يناير 1916، بما بين 500 ألف و800 ألف شخص، مات منهم 10 آلاف. على هذه الخلفية، أُرسل شكري قايا إلى سوريا لحلّ المسألة جذرياً، وهو نفسه أصبح وزيراً للداخلية في الثلاثينيات. وفي إسطنبول، جمع قايا المثقّفين الأرمن وقتلهم، أمّا في سوريا حيث لا يوجد سوى رجال دين أرمن، فاعتقلهم وجمعهم في معسكر في منطقة منبج ومحاهم في ظروف حاول تظهيرها على أنها طبيعية. بحسب آقتشام، فإن القادة العثمانيين في حلب، بزعامة مصطفى عبد الحقّ وعبد الأحد نوري، أشاروا إلى كيفية تنظيم الاعتداءات على المعسكرات الأرمينية، ونشْر الأمراض والجوع والعطش. فاتُّخذ قرار بإخلاء معسكر دير الزور ورمي 200 ألف أرميني في الصحراء لمواجهة الموت، فيما مُنع الصحافيون الأجانب من التحرُّك في الأناضول وفي سوريا أيضاً، بل إن مصير بعض الضباط الألمان الذين عبروا من العراق إلى حلب كان الاعتقال والشنق، إذ نُشرت لهم صور أثارت أزمة دبلوماسية كبيرة بين الدولة العثمانية وألمانيا.
وباعتراف الأتراك أنفسهم، فإن قرار «الإبادة» اتُّخذ في إسطنبول من قِبَل اللجنة المركزية لـ«الاتحاد والترقّي». ويعتقد بهاء الدين شاكر، عضو اللجنة المركزية، أن المدبّر الرئيس لـ«الإبادة»، هو طلعت باشا، وفي سوريا شكري قايا ومصطفى عبد الخالق وعبد الأحد نوري، ومعهم جمال باشا. ويصف آقتشام قرار إسطنبول بأنه «عمليّة هندسة لمهندسين اجتماعيين في إسطنبول»، فيما يرى أنه «لو لم تكن المجزرة مدبّرة إلى هذا الحدّ، لَمَا قُتل كلّ هؤلاء البشر». وإذ يتساءل «كيف يمكن الجار أن يقتل جاره»، يجيب أن وراء ذلك عاملَين في غاية الأهمية: الأوّل الإسلام، إذ لم يكن هؤلاء ينظرون إلى فلان على أنه كردي أو أرميني أو تركي بل غير مسلم، والثاني بهدف النهب والسرقة (كان الاتحاديون يجولون على كلّ القرى ويحرّضون على غير المسلمين).

كانت مطالب الأرمن اجتماعية وسياسية طبيعية، وعدم تحقيقها يعني تعريض وحدة البلاد للخطر


وفي ما يتعلّق بموقف أتاتورك من الأحداث، فقد وصفها الأخير في 24 نيسان 1920 بـ«الفظاعات»، وقادة «الاتحاد والترقّي» بالقَتَلة. ويذكر آقتشام معلومة مهمّة، وهي أن أوّل مَن استخدم مصطلح «إبادة» عن الأحداث تلك وذكرها بالإنكليزية، كان الكاتب فالح رفقي آتاي في صحيفة «دنيا» عام 1967، ومن بعده إبراهيم قايب أق قايا ثم إسماعيل بيشيكتشي. ويشير إلى أن هرانت دينك، الصحافي الأرميني الذي قُتل عام 2007، امتنع عن استخدام كلمة «إبادة»، ما دام الأتراك لا يزالون يبحثون في المصطلح. لكن هرانت انفعل في عام 2004 في حوار مع وكالة «رويترز»، فصرخ قائلاً: «نعم يا أخي إنها إبادة بالطبع»، ما أدّى إلى فتح دعوى ضدّه. وكانت المرّة الوحيدة التي تستخدم فيها هذه الكلمة. وفي الختام، يقول آقتشام إن استخدام المصطلح من عدمه، هو جزء من معركة الديموقراطية في تركيا.
ولم تتوانَ الصحف الكردية المؤيّدة لـ«حزب العمال الكردستاني» عن تظهير مسألة «الإبادة»، إذ نشرت العديد من المقالات لهذه المناسبة، منها ما جاء في صحيفة «يني أوزغور غونديم» باللغة التركية. وكتب مهراج أورال، قائلاً إن المجزرة الأرمينية في الأناضول هي «خنجر غرز في حضارات الأناضول، حيث انبعث أوّل نور للحضارات. (...) وامتدّ جرم السيف ليطال ليس الأرمن فحسب، بل كلّنا قُتلنا». ويرى أن «محاولة الصَهر الفكري قضت على التنوّع والغنى الحضاري للأناضول. المجازر ضدّ الأرمن فتحت الطريق أمام المجازر ضدّ الأكراد في القرن العشرين. أمّا تصفية الحساب مع التاريخ، فليس بدفن الأحداث، بل في العيش معاً في حياة اجتماعية عادلة ومتساوية». من جهته، يكتب نوبار أوزانيان أنه على رغم مرور 106 أعوام على «الإبادة»، فـ«(إننا) لا نعرف الكثير عنها، لأن ذهنية الاتحاد والترقّي لا تزال تعمل حتى اليوم وبالقمع نفسه، لكي ينسى الناس ما حصل في حينه... وبقدر ما يسعى المرتكبون، بأيديهم القذرة، إلى محو الماضي، فإننا سنواصل بالقدر نفسه من العزم تذكير الأجيال بما جرى».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا