وفى الرئيس الأميركي، جو بايدن، بأحد وعوده الانتخابية، بعدما رأى أن المجازر التي تعرّض لها الأرمن في عام 1915، تمثِّل "إبادة جماعية". وهذا يَفترض أن البيان الذي سيُصدِره في الـ 24 من نيسان/ أبريل من كلّ عام، سيتضمَّن اعتبار المجازر "إبادة". وفي هذا الخصوص، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

1- جاء البيان بعد ضغوط كبيرة مارسها اللوبي الأرميني وأعضاء مجلسَي النواب والشيوخ. وهي ضغوط كانت موجودة، وبالقوّة نفسها، في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي لم يصل إلى حدّ الاعتراف بـ"الإبادة". ولعلّ العاملَين الحاسمَين في إصدار البيان على هذا النحو، هما: أوّلاً، عداء الرئيس الحالي العميق ــــ وربّما الشخصي ــــ تجاه نظيره التركي، رجب طيب إردوغان، والذي يعود إلى أيامٍ كان فيها بايدن نائباً للرئيس الأسبق باراك أوباما، حين جرت محاولة الانقلاب الفاشلة لإطاحة إردوغان؛ وثانياً أن الاعتراف جاء بعد الكارثة التي حلّت بأرمينيا وناغورنو قره باغ في الحرب الأخيرة مع آذربيجان، ومن خلفها تركيا، في ما يمكن اعتباره نوعاً من "التعويض النفسي" على الأرمن.
2- حصَر بايدن فقرات بيانه بالحديث عن الحقبة العثمانية، ولم يشر بكلمة إلى العهد الجمهوري، ليفصل بذلك بين حقبتَين زمنيّتَين، ويحول دون أن تطال أيّ اتهامات الجمهورية التركية.
3- لم يُدِن البيان الجمهورية التركية التي تعدّ وريثة الإرث العثماني، وهذا ما عبّر عنه بايدن بالقول إنه لا يدين أحداً، بل يهدف إلى منع تكرار مثل هذه الحوادث. وكأنه يريد القول إن مرتكبي تلك الجريمة لا علاقة لهم بالتطوّرات اللاحقة ولا سيما بعد عام 1923. وكأنه أيضاً يقترح صفقة للطرفين تتضمّن الاعتراف التركي بـ"الإبادة"، في مقابل تخلِّي الأرمن عن الأرض والتعويضات!
4- وفي تأكيد على حصر الأحداث بالفترة العثمانية، استدعى بايدن إلى إسطنبول اسماً آخر هو قسطنطينوبوليس. وفي هذا مغالطة مصطنعة، إذ إن اسم القسطنطينية كان يطلق على مرحلة ما قبل استيلاء محمد الفاتح على المدينة عام 1453، ومن بعد ذلك بسنوات قليلة بدأت تُطلق عليها أسماء متعدّدة مِن مِثل الآستانة وإسلامبول وإسطنبول. وكان اسمها، حتى في الأدبيات الغربية، إسطنبول. ولكن رغبة بايدن في اجتراح الفصل المصطنع، جعلته يستخدم مصطلح القسطنطينية لا إسطنبول.
إزاء ما تقدَّم، سيتوقّف كثيرون عند تداعيات القرار على العلاقات الأميركية ــــ التركية، وهو ما يستدعي بعض المقارنات التاريخية التي قد توضح الاحتمالات، وعلى رأسها أن بايدن لم يكن أوّل مَن استخدم كلمة "إبادة" بين الرؤساء الأميركيين، بل سبقه إليها الرئيس الراحل رونالد ريغان في عام 1981. ولكن اعتراف ريغان المبكر حينها، لم يتكرّر في رسائله اللاحقة سنوياً إلى الأرمن. وهو ما يَفتَرِض أن الإدارة الأميركية كانت تستخدم المصطلح لاعتبارات سياسية معيّنة، وليس اقتناعاً منها بحقيقة ما حدث. فالعلاقات الأميركية ــــ التركية عَرَفت في الثمانينيات عصراً ذهبياً في ظلّ تحالف كنعان إيفرين ــــ طورغوت أوزال مع الإدارة الأميركية لمواجهة التيّارات اليسارية في تركيا التي تفرّقت أيدي سبأ، وفي ظلّ انتعاش العلاقات التركية ــــ اليهودية في عهدهما. وبالتالي، فإن اعتراف ريغان بـ"الإبادة" لم يكن له أيّ مفعول فعلي على الأرض لمصلحة الأرمن. وعلى هذا، ليس مستغرباً في حال تحسُّن العلاقات الأميركية ــــ التركية في العام المقبل، ألّا يتكرّر استخدام مصطلح "إبادة". وفي أحسن الأحوال، فإن هذا الاستخدام لن يؤثّر على محاولات تحسين العلاقات بين البلدين، لأن العكس سيكون المزيد من التقارب التركي مع روسيا بما يتناقض مع الأهداف الأميركية الجديدة في تشديد الحصار والطوق على موسكو. وربّما يتوغّل الأميركيون في محاولة حصار إردوغان على المستوى الداخلي، بتطويقه بجملة معايير تستهدف إظهار فشل سياساته، بعدما وعد بايدن بهزيمته في الانتخابات الرئاسية المقبلة، والتعامل مع رئيس جديد يكون مختلفاً عن إردوغان، على الأقلّ في مغامراته الخارجية.

لم يُدِن البيان الجمهورية التركية التي تُعَدّ وريثة الإرث العثماني


في مطلق الأحوال، لا ينفصل قرار بايدن عن تطوّرات جنوب القوقاز. فالحرب الأخيرة وجّهت ضربة قاصمة لرئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، وجَلّت فشل سياساته القومية. ولعلّ بايدن أراد، في بيانه الأخير، أن يعيد تعويم باشينيان ــــ الأميركي الهوى ــــ لئلّا يخسره في الانتخابات المقبلة، فيبقى لأميركا كعب أخيل لها في أرمينيا. وهذه لعبة خطيرة على القضيّة الأرمينية، إذ إن عودة باشينيان إلى السلطة تعني استمرار التوتّر الضمني مع روسيا وعدم تحقيق الأرمن أيّ مكسب بعدما تخلّت عنهم الولايات المتحدة في الحرب الأخيرة ضدّ آذربيجان.
ردود الفعل التركية على بيان بايدن كانت طبيعية جداً. الموالاة والمعارضة دانتا البيان وكرّرتا مقولة أن القضية هي برسم المؤرّخين لا السياسيين، وأن الرقم المذكور عن القتلى مبالغ فيه، وأن معظمهم سقطوا في سياق الحرب العالمية الأولى. أمّا إردوغان، الذي لم يعلّق بعد على بيان بايدن، فوجّه في المناسبة رسالة إلى بطريرك الأرمن في تركيا، إسحاق مشعليان، يكرِّر فيها تعازيه السنوية للأرمن الذين سقطوا خلال الحرب العالمية الثانية، ويشدِّد فيها على العيش المشترك. كما استُدعِي السفير الأميركي في أنقرة، ديفيد ساترفيلد، إلى وزارة الخارجية التركية احتجاجاً على بيان بايدن "الذي فتح في العلاقات جرحاً لا يمكن لَأمُه"، فيما اعتبر وزير الخارجية، مولود جاويش أوغلو، أن الكلام "لا يغّير التاريخ الذي لا يمكن أن يكتب من جديد. وما فعله بايدن إهانة عظيمة للعدالة". من جهتها، رأت صحيفة "يني شفق"، الأكثر تأييداً لإردوغان، أن بايدن اختار باعترافه بـ"الإبادة" طريق "معاداة تركيا". وحذّر دولت باهتشلي، زعيم "حزب الحركة القومية"، بدوره، من مخاطر دخول العلاقات التركية ــــ الأميركية في توترات ومغامرات سلبية، في حين دعا نائب رئيس الجمهورية، فؤاد أقتاي، الجميع إلى البحث عن الحقيقة في الأرشيفات المفتوحة. وحتى وزارة الخارجية الآذربيجانية أصدرت بياناً تنتقد فيه بيان بايدن و"محرّفي التاريخ". لكن المعارضة التركية لن تجعل من بيان بايدن ورقة بيد إردوغان، إذ اعتبر فائق أوزتراك، الناطق باسم "حزب الشعب الجمهوري" المعارِض، أن فشل الرئيس التركي في السياسة الخارجية هو الذي أوصل إلى مثل هذا البيان. كما دعا "حزب الشعوب الديموقراطي" الكردي، الدولة، إلى مواجهة التاريخ والاعتراف بــ"الإبادة".

ما الذي سيفعله إردوغان؟
لا تزال الإجابات ضمن دائرة التساؤلات. يقول الكاتب مراد يتكين: هل يستدعي إردوغان سفيره الجديد مراد مرجان من واشنطن؟ هل يبطل حضوره المرتقب إلى قمّة "حلف شماليّ الأطلسي" في حزيران/ يونيو؟هل يطلق حرية زراعة الخشخاش كما فعل بولنت أجاويد عام 1974 نكايةً بأميركا؟ هل يفعل كما فعل سليمان ديميريل بإغلاق قاعدة "إينجيرليك"؟هل يطلب الدفعة الثانية من صفقة "إس-400" من روسيا؟ مع بيان بايدن، يرتفع عدد الدول المعترِفة بـ"الإبادة" إلى ثلاثين. لكن، وفقاً للبعض، كما حصل مع فرنسا وألمانيا وغيرهما، لن يحصل شيء. زوبعة وتمرّ. أليست روسيا من الدول التي تعترف بـ"الإبادة"، والعلاقات معها في أفضل حال؟ ألا يستطيع إردوغان أن يواجه القرار الأميركي بإجراءات مؤلمة للولايات المتحدة في إطار الضغط المتبادل؟ أم أنه سوف يتردّد ولا يقدِم على أيّ منها في ظل الحصار الخارجي في شرقيّ المتوسط والشرق الأوسط، وفي ظلّ معرفة نتائج لقائه المقبل مع بايدن؟



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا