طهران | انتهت، يوم السبت، مهلة التقدُّم بطلبات الترشُّح للانتخابات الرئاسية الإيرانية، بعدما تسجّل ما يزيد على 590 شخصاً، من بينهم أكثر من 40 يُعدّون من الشخصيات المعروفة والمهمّة، على رغم أن معظم الأنظار متّجهة نحو شخصيّتين أكثر شهرة، إذ إنّ الكثير من التكهُّنات والتوقّعات تشير إلى أن التنافس سيتركّز بين كلّ من: إبراهيم رئيسي رئيس السلطة القضائية، وعلي لاريجاني الرئيس السابق للبرلمان. وأعلن رئيس لجنة الانتخابات في إيران، جمال عرف، أنه بعد الانتهاء من تسجيل المترشّحين للرئاسيات، تمّ تسجيل 592 شخصاً، من بينهم 40 امرأة و 552 رجلاً. ومن المقرَّر أن تجرى الانتخابات يوم الـ 18 من حزيران/ يونيو المقبل، على أن يحلّ رئيس آخر محلّ الرئيس الحالي حسن روحاني، الذي أمضى ولايتَين رئاسيّتَين متتاليتَين، كلّ منهما أربع سنوات.


التسجل بالحدّ الأقصى
شهد مبنى وزارة الداخلية الإيرانية، على مدى خمسة أيام من تقديم طلبات الترشيح للانتخابات الرئاسية، حضور مختلف الأشخاص، المعروفين منهم والمغمورين. وإضافة إلى رئيسي ولاريجاني اللذين لفتا الأنظار والاهتمام نحوهما، فإن النائب الأوّل لروحاني، إسحاق جهانغيري، والرئيس السابق، محمود أحمدي نجاد، يعدّان من الوجوه الشهيرة التي سجّلت أسماءها لخوض الانتخابات. يضاف إليهما مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية للشؤون العسكرية، وزير الدفاع السابق حسين دهقان، ومساعد «فيلق القدس» للشؤون الاقتصادية، رستم قاسمي، وأمين مجمع تشخيص مصلحة النظام، القائد الأسبق للحرس الثوري محسن رضائي، والقائد السابق لمقرّ خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري، سعيد محمد، وهم من العسكريين المعروفين الذين تقدَّموا بطلباتهم للترشُّح للانتخابات.
كما تسجّل كل من: رئيس البنك المركزي، عبد الناصر همتي، والأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي، رئيس الوفد التفاوضي حول النووي الإيراني في حكومة نجاد سعيد جليلي، والرئيس السابق لـ»مؤسّسة الطاقة الذرية»، فريدون عباسي، ورئيس المجلس البلدي لطهران، محسن هاشمي رفسنجاني. كما يمكن قراءة أسماء عدد من الوزراء والنواب السابقين والحاليين في قائمة مَن تسجَّلوا للرئاسيات. وربّما يمكن القول إن الغائب الرئيسي من بين المترشّحين، هو وزير الخارجية محمد جواد ظريف، الذي طُرح اسمه حتّى قبل مدّة وجيزة على أنه الخيار الأوّل للإصلاحيين والمعتدلين، بيدَ أن تسريب تسجيله الصوتي الذي تضمّن انتقادات للقائد السابق لـ»فيلق القدس»، قاسم سليماني، وما تبعه من موقف حادّ من جانب المرشد الإيراني، جعل الأجواء غير ملائمة لخوضه السباق الرئاسي، ليعلن أخيراً أنه لا ينوي الترشُّح البتّة.

«مجلس صيانة الدستور» وغربلة المترشّحين
لا يعني تقديم المترشّحين طلبات ترشيحهم، أنهم دخلوا السباق الانتخابي، بل إن «مجلس صيانة الدستور» منوط بدرس أهلية المرشّحين وفقاً للمعايير والقواعد المتّبعة لديه، على أن يعلِن تباعاً الأسماء النهائية. وتأسيساً على الجدول الزمني الذي أعلنته سابقاً وزارة الداخلية، ستُعلَن الأسماء النهائية للمترشّحين للرئاسيات يومَي 26 و27 أيار/ مايو الجاري، على أن تبدأ الحملات الانتخابية يوم الـ 28 منه، وتستمر حتى يوم واحد قبل يوم الاقتراع. وشكّل أداء المجلس في دراسة أهليّة المترشّحين، أحد الموضوعات الخلافية في المناخ السياسي الإيراني، إذ يُعدُّ، على سبيل المثال، رفضه أهلية أكبر هاشمي رفسنجاني في انتخابات عام 2013، ومحمود أحمدي نجاد في انتخابات عام 2017، من أكثر القرارات إثارةً للجدل.
ويرى الموافقون على أداء هذا المجلس، أن وجود هذه المؤسّسة يُسهم في الحؤول دون دخول أشخاص انحرفوا عن مسار الثورة، أو كونهم غير جديرين لخوض السباق الانتخابي. وفي المقابل، يتّهم المنتقدون هذا المجلس بهندسة الانتخابات وتقويض أسس جمهورية النظام في إيران، إذ يرَون أن هذا المجلس يضع نفسه محلّ الشعب. ويُتوقّع ألّا يتمّ تأييد أهليّة بعض الوجوه الشهيرة في هذه الدورة من الانتخابات الرئاسية. ويُقال إن نجاد الذي اتّخذ، خلال السنوات الأخيرة، مواقف راديكالية ضدّ القطاعات المختلفة للدولة، سيتمّ رفض أهليّته من قِبَل «مجلس صيانة الدستور».

آفاق التنافس
ولأن قرارات «مجلس صيانة الدستور» في مجال دراسة أهليّة المترشّحين غير قابلة للتكهُّن، وفي ظلّ عدم وضوح التشكيلة الانتخابية النهائية، تشهد الحلبة الانتخابية عدداً كبيراً من المرشّحين، ولا سيما الشخصيات السياسية المعروفة. ومن جهة أخرى، فضّلت جميع التيارات السياسية، حتى هذه المرحلة، أن يكون لها صوت أبلغ في السباق الانتخابي، وذلك من خلال دخول وجوه متعدّدة هذا السباق. لكن، ومع اتّضاح الوجوه والأقطاب الرئيسيّة للانتخابات، يُتوقّع أن ينسحب العديد من المترشّحين لمصلحة آخرين يحظَون بثقل أكبر في المشهد السياسي.
ويمكن تصنيف المترشّحين الحاليين ضمن ثلاثة تيارات رئيسيّة: الأوّل هم الأصوليون الذين يُعدّ إبراهيم رئيسي مرشّحهم الرئيسيّ؛ والثاني هم الإصلاحيون الذين يُعدّ إسحاق جهانغيري مرشّحهم الرئيسيّ؛ والتيار الثالث هم المعتدلون الذين يمثّلهم علي لاريجاني. وعلى رغم أن هذا الأخير كان، في السنوات السابقة، محسوباً على جبهة الأصوليين، إلا أنّ التقلّبات السياسية في إيران جعلته ينفصل عن هذا التيار، إلى حدّ أن الإصلاحيين أنفسهم يرحّبون بريادته. ويُقال إن روحاني والمقرّبين منه يعتبرون لاريجاني الأقرب إليهم، ويفضّلون فوزه في الرئاسيات.
ويتكهّن كثيرون بأن التنافس الانتخابي سيجرى بين رئيسي ولاريجاني، وحتى إنه يُتوقع أن يدعم الإصلاحيون في هذه الانتخابات لاريجاني أمام رئيسي، مثلما صوّتوا في الدورة السابقة لمصلحة روحاني بوصفه شخصية معتدلة. ويتمثّل القاسم المشترك بين المرشَّحَين في أن كلاهما يحظيان بثقة المرشد الأعلى، علي خامنئي، وكذلك الحرس الثوري. وعليه، يمكن اعتبار تنافسهما داخلياً بين فئتين من الشخصيات الموثوق بها من لدن القائد والحرس.
بيدَ أن أهمّ تحدٍّ أمام الرئاسيات الإيرانية، يتمثّل في غياب الحماسة والتشويق لدى الشعب، ما يمكن أن يؤدي إلى انخفاض نسبة المشاركة. تفيد استطلاعات الرأي المختلفة التي أجريت لحدّ الآن بأن نسبة المشاركة في الانتخابات ستقلّ عن 50%، إذ يذهب الكثير إلى أن السبب يعود إلى التذمُّر من أداء حكومة روحاني، معطوفاً على الخوف من الإصابة بـ»كورونا» خلال الاقتراع. وثمّة احتمال بأن تتّقد الحماسة لدى الجماهير في الأسابيع المقبلة، حين تبدأ الحملات الانتخابية، ولا سيما المناظرات بين المرشّحين، فتتزايد الرغبة لديهم للإدلاء بأصواتهم لمصلحة المرشّح الذي يفضّلونه.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا