أقرّ «مجلس القطب الشمالي»، الهيئة الرئيسة للحوار بين روسيا والقوى الغربية المجاوِرة للقطب، خلال اجتماعه في 19 و20 أيار الماضي، تسلُّم موسكو رئاسته الدورية. وكانت الأخيرة أعلنت عزمها على تنظيم قمّة حول هذه المنطقة من خارج إطار الهيئة المذكورة، بسبب اعتراض الولايات المتحدة، الدولة العضو في الأخيرة، على أيّ نقاش لقضايا مرتبطة بالشؤون الدفاعية، على الرغم من سياق التوتّر المتصاعد في السنوات الأخيرة.

[اشترك في قناة ‫«الأخبار» على يوتيوب]
اهتمام القوى العظمى بالقطب الشمالي قديم، لكن التغيُّر المناخي أتاح فرصاً اقتصادية جديدة، ما يفسّر تعاظم التركيز الاستراتيجي عليه. فذوبان الجليد في الدائرة القطبية يفسح في المجال للوصول إلى موارد نفطية وغازية ومعادن، ما يثير شهية دول مجاورة وغير مجاورة، كالصين واليابان وكوريا الجنوبية. نفوذ روسيا استمرّ في النموّ ليصبح الأهمّ هناك، بالتوازي مع وجودها العسكري الوازن منذ 2007. أثار هذا الأمر توتّراً مع النروج، العضو في «الناتو»، على رغم كونه جزءاً من مقاربة دفاعية. «مع تراجع مخزون روسيا من النفط والمعادن، خاصةً في جنوبها، يتزايد وزن القطب الشمالي الاقتصادي بالنسبة إليها. هناك شعور بالتهديد في موسكو نتيجة الاقتناع بوجود مطامع غربية حيال هذه المنطقة، ما يعزّز توجّهاً لديها لتعزيز قدراتها الدفاعية»، بحسب فريديريك لاسير، الخبير الجيوسياسي ومؤلّف «معابر وبحار القطب الشمالي. الجغرافيا السياسية لمنطقة في طور التحوّل». ويَذكر الخبير الفرنسي أن روسيا أعادت فتح قواعد عسكرية سوفياتية تمّ إغلاقها في تسعينيات القرن الماضي، نظراً إلى شحّ إمكاناتها المالية آنذاك. سلاح جوّ روسيا أصبح أكثر وجوداً في المنطقة، وكذلك غوّاصاتها الاستراتيجية التي تحتلّ موقعاً أساسياً في عقيدتها للردع النووي. «لكن الروس لم يُدخلوا إلى المنطقة قدرات هجومية. وعلى الرغم من ذلك، فإن النروج، كدولة حدودية، تشعر بالقلق من المناورات العسكرية الروسية الضخمة. في الواقع، الحديث عن خطر روسي في القطب الشمالي أو عن تصاعد في التوتّر هو نوع من المبالغة»، برأي لاسير.

احتمال اندلاع أزمة في القطب الشمالي ضعيف في المرحلة الحالية


احتمال اندلاع أزمة في القطب الشمالي ضعيف في المرحلة الحالية، غير أن المخاوف تتمحور حول بؤر توتّر أخرى في أوروبا قد تكون لها تداعيات عليه. لهذا السبب، وفي ظلّ التناقضات المتزايدة في القرم وبحر البلطيق، فإن الروس والغربيين يبذلون جهوداً جدّية لاحتوائها ومنع امتدادها نحو القطب. «اللافت هو إرادة تحييد هذه المنطقة عن الصراعات الدائرة في محيطها القريب والبعيد. هناك مساعٍ من الفريقَين المتقابلَين للتركيز على التنمية والحفاظ على البيئة باعتبارها مصالح مشتركة، وللإبقاء على قنوات تواصل»، وفقاً لفلوريان فيدال، الباحث في «مركز روسيا في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية».
«مجلس القطب الشمالي»، الذي تأسّس في عام 1996، والذي يضمّ الدول الـ8 المجاورة للقطب (روسيا، الولايات المتحدة، كندا، النروج، الدنمارك، فنلندا، السويد وآيسلندا)، يقوم بهذه الوظيفة كمنتدى للحوار في ما بين تلك الدول. تتمحور جهود المجلس حول قضايا متّصلة بإدارة شؤون السكّان الأصليين، أو معالجة مفاعيل التغيّر المناخي، والعمل على توفير ظروف تنمية مستدامة، غير أنها تتجاهل الأبعاد العسكرية. «الشؤون الدفاعية لا يتمّ التطرق إليها في المجلس، لأن الولايات المتحدة فرضت ذلك منذ 1996، بمعزل عن إرادة روسيا والدول الأخرى، والتي لم تتردّد في إبداء امتعاضها من هذا الموقف»، يقول فريدريك لاسير. «تكتسب الأبعاد العسكرية أهمية متعاظمة على مستوى التحدّيات الأمنية المطروحة في هذه المنطقة، وأضحى من الصعب التعامل معها عندما يجري تجاهلها في المجلس»، برأي فلوريان فيدال. تخفيض التوتر في منطقة القطب راهناً لا يضمن بذاته استمرار القدرة على تحييدها عن نزاعات شرق أوروبا. إدراك روسيا لهشاشة هذا السياق يحفّزها لاقتراح صيغة مستجدّة لأطر تعدّدية تتيح حواراً حقيقياً حول الأبعاد العسكرية وغيرها من المسائل الخلافية.