تطرح زيارة الرئيس الأميركي إلى منطقة شرق أوروبا، وتحديداً بولندا، أسئلة عدة، وخصوصاً مع ما رافقها من تصريحات للأمين العام لحلف شماليّ الأطلسي أندرس فوق راسموسن، وإعادة فتحه لملف الدرع الصاروخية الذي كان قد استُعمل آخر مرة قبل سنوات، في إطار ما روج عن أن هدفها حماية أوروبا من المنظومة الصاروخية الإيرانية.


اجترار هذا الملف يأتي اليوم في سياق المواجهة المحتدمة بين العم سام والدب الروسي على خلفية الأزمة الأوكرانية. محاولة جديدة لتطويق روسيا، وحصارها وعزلها، في تكرار مشوّه لسيناريو مواجهة الاتحاد السوفياتي في أربعينيات القرن الماضي، يبدو واضحاً أنه سيكون مهزلة موصوفة.
على الأقل هذا ما يظهر جلياً من خلال التطورات الميدانية. لا هذا الأسلوب ولا غيره من الأساليب الأخرى المتبعة لإجبار روسيا على الانكفاء تؤتي ثمارها، وتبين ذلك من خلال رفض الممثل الدائم لروسيا في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين المساومة على ملفي سوريا وأوكرانيا في جلسة مجلس الأمن ليل أول من أمس، مشدداً على موقف بلاده من الأزمتين وضرورة عدم الربط بينهما.
وندد الرئيس الأميركي باراك أوباما أمس بسياسات و«عدوان» روسيا في أوكرانيا، واصفاً تكتيكها بـ«الظلامي»، بعدما وعد كييف ورئيسها المنتخب بيترو بوروشنكو بدعم يستمر لسنوات.
وقال أوباما، في خطاب ألقاه في مناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لأول انتخابات حرة في بولندا: «لن نقبل باحتلال روسيا للقرم أو انتهاكاتها لسيادة أوكرانيا»، وذلك بعد ساعة على لقائه الرئيس الأوكراني المنتخب في وارسو.
وأضاف أوباما أن «نضال بولندا الطويل ضد الاحتلال والطغاة» انعكس في معركة أوكرانيا بعد ربع قرن، التي أظهرت أن الحرية لا تزال مهددة وغير مضمونة بنحو تلقائي، مؤكداً أن «دولنا الحرة ستبقى متحدة لكي يترتب على استفزازات روسية أخرى، عزلة إضافية وكلفة على روسيا».
كذلك وصف أوباما بوروشينكو بأنه «اختيار رشيد» لقيادة البلاد، وناقش معه سبل مساعدة الولايات المتحدة في تدريب قوات الأمن وأفراد الجيش الأوكرانيين. وقال للصحافيين، بعد اجتماعه مع بوروشينكو في وارسو، إنهما ناقشا خطة الرئيس الجديد لإعادة الهدوء وتعزيز النمو الاقتصادي وتقليل الاعتماد على روسيا في مجال الطاقة. وتعهد تقديم مساعدة إضافية إلى أوكرانيا بقيمة 5 ملايين دولار.
وقد وصل أوباما أمس إلى بروكسل، للمشاركة في قمة مجموعة السبع التي ستطغى عليها الأزمة في أوكرانيا والعلاقات مع روسيا. من جانبه، نفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجود خبراء عسكريين من روسيا أو وحدات من الجيش الروسي في شرق أوكرانيا. وفي مقابلة مع قناة «تي إف 1» الفرنسية وإذاعة «أوروبا-1»، نُشرت مقتطفات منها أمس، رفض الرئيس الروسي كل التكهنات والمزاعم بشأن نية موسكو ضم جنوب شرق أوكرانيا، أو زعزعة الاستقرار هناك. ودعا بوتين السلطات الأوكرانية الحالية إلى بدء الحوار مع سكان البلاد، ليس باستخدام الأسلحة والدبابات والطائرات، بل عبر عملية التفاوض. وشدد بوتين على عدم جواز تحوّل الأزمة الأوكرانية إلى موجة جديدة من «الحرب الباردة»، مصراً على ضرورة تسويتها عبر الحوار. كذلك أكد الرئيس الروسي أن موسكو ما زالت مستعدة للحوار مع واشنطن، باعتبار أنه أفضل طريق للتوصل إلى تفاهم. وقال بوتين إنه لا يعتقد أن الرئيس الأميركي لا يريد التحدث معه، لكنه أكد أن الخيار يبقى لأوباما. وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن واشنطن تواصل سياستها العدوانية على الساحة الدولية. وأوضح أن السياسة الأميركية تُعتبر الأكثر تشدداً في ما يخص حماية مصالح واشنطن، وأعاد إلى الأذهان أنه ليس لروسيا أي وجود عسكري يذكر خارج حدودها، أما القوات الأميركية فموجودة في كل مكان في العالم، حيث لديها قواعد عسكرية وهي تشارك في تقرير مصير شعوب أخرى على بعد آلاف الكيلومترات من الحدود الأميركية.
كذلك رأى بوتين أنه ينبغي لروسيا أن تقلل اعتمادها على المعدات الأجنبية في قطاع الطاقة، في إطار مسعاها لتحسين اعتماد البلاد على الذات في وقت تواجه فيه عقوبات غربية بسبب أزمة أوكرانيا.
وفي اجتماع لمناقشة استراتيجية الطاقة في مدينة استراخان بجنوب روسيا، قال بوتين أيضاً إنه يجب على الحكومة أن تدرس إعادة رسملة شركة غازبروم في أعقاب توقيع اتفاق للغاز بقيمة 400 مليار دولار مع الصين سيتطلب استثمارات بعدة مليارات من الدولارات في البنية التحتية.
في غضون ذلك، أعلن الأمين العام لحلف شمالي الأطلسي أندرس فوغ راسموسن، أن الأزمة الأوكرانية «لن تؤثر بأي شكل في خطط نشر منظومة الدرع الصاروخية» في أوروبا. وقال راسموسن، عقب انتهاء الدورة الأساسية من لقاء وزراء دفاع الدول الـ28 الأعضاء في الحلف أول من أمس، إن «خطط الدرع الصاروخية غير مرتبطة بأي شكل من الأشكال بأوكرانيا، إذ إن هذا العمل بوشر قبلها (الأزمة) بوقت طويل». وذكر أن الهدف المعلَن من نشر هذه الدرع في أوروبا هو «حماية الحلفاء من الهجمات الصاروخية القادمة من خارج المنطقة الأوروأطلسية».
في هذا الوقت، استبعد مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين، إمكانية عقد صفقة مع الدول الغربية حول سوريا، مقابل قبول مجلس الأمن مشروع قرار روسي خاص بالأزمة الإنسانية في أوكرانيا. جاء ذلك خلال مؤتمر صحافي عقده تشوركين في مقر الأمم المتحدة لمناسبة تولي روسيا رئاسة مجلس الأمن الدولي. وقال تشوركين في معرض رده على سؤال عمّا إذا كانت روسيا جاهزة للتصويت على مشروع قرار يتعلق بسوريا على أساس البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة المتضمن تدخلاً عسكرياً، مقابل الحصول على دعم مشروع قرارها بشأن أوكرانيا، قال إنه «لن يكون هناك أية علاقة بين المسألتين»، لافتاً إلى أن الوفد الروسي سيحدد مصير مشروع القرار الأوكراني بعد الاجتماع الثاني لمجلس الأمن، مشيراً إلى أنّ «من المحتمل أن نجري جولة جديدة. وسنرى أية تعليمات سيعود بها زملاؤنا من العواصم الغربية».
في السياق، أعلن رئيس المجلس الأعلى لـ«جمهورية دونيتسك الشعبية» المعلنة من طرف واحد دينيس بوشيلينن أن القوات الأوكرانية قتلت «أكثر من 25 شخصاً في مشفى بكراسني ليمان». وأكد بوشيلين أمس، أنه «حسب المعطيات الأولية قُتل أكثر من 25 شخصاً، لكننا خائفون من أن يكون عدد الضحايا أكبر»، معتبراً أن «إطلاق النار على المصابين والمرضى أسوأ من الإبادة، إذ لا يمكن تفسير أفعال كييف غير الأخلاقية».
إلى ذلك، قالت متحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية إن وزير الخارجية جون كيري سيلتقي نظيره الروسي سيرغي لافروف في باريس اليوم لمناقشة الأزمات في أوكرانيا وسوريا.
(الأخبار، أ ف ب، الأناضول)