لم تكن تجربة اليسار في أميركا اللاتينية مثالية، كما لم تَنْجُ من الوقوع في بعض المحظورات السياسية، لكنّ تيّار الفقراء بَقِي ابن بيئته، ومُحافِظاً على القِيَم السيادية وإرثٍ طويل من التضحية والنضال. هكذا يقول سكّان أميركا الجنوبية كلّما أخذتهم الخيارات نحو انتخاب شركاء الاستعمار وأحفاد الإقطاعيين، الذين رهنوا البلاد والعباد لمصالح الشركات الأجنبية، ومكّنوا السفارات الغربية من رسْم السياسات الداخلية والخارجية، مثلما فعَل ماوريسيو ماكري الذي دمّر اقتصاد الأرجنتين برهْنها لوصاية «البنك الدولي»، وسباستيان بنييرا الذي عاث في أرْصن الاقتصادات اللاتينية فساداً، وحَوّل ساحات سانتياغو إلى تجمّعات مليونية تَستذكر زمن ميشال بشلين، الجميل، وخروجَها من قصر الرئاسة على وقْع الدموع في وداع أمّ التشيليين، وأيضاً جانايينا أنيز التي صعدت على جُثث البوليفيين المرميّة في الأزقّة، بعد انقلاب عسكري وحشي دبّرته سفارة واشنطن في لاباز، وألغت على إثره أكثر الانتخابات مصداقية وشفافية، فضلاً عن خوان غوايدو الذي تَقلّد رئاسة مزوّرة مقابل شدّ الخناق على شعبه كي يعلِن الاستسلام. لكنّ إرادة اللاتينيين لفظت كلّ هذه اللائحة في سنوات حُكمها الأولى، لتَسقط معادلات واشنطن واحدةً تلو أخرى، في انتظار لحظة الحسم في عاصمة القرار اللاتيني، برازيليا.

يُدرك الأميركيون أن حَجر الرحى في المعادلات اللاتينية، يتمثّل في البرازيل. وعليه، فإن التَّحوّلات السياسية المعادية لوصاية واشنطن قد يتمّ احتواء تداعياتها ما لم تصل إلى الرأس، ومصمّم السياسات في القارّة اللاتينية. ذلك أن تجربة الزعيم العمّالي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، في الحُكم ما بين عامَي 2002 و2010، سَجّلت أكبر التحدّيات للسياسات الأميركية واستثمارات شركاتها في البرازيل ومحيطها. تجربةٌ ما زالت عالقة في الذاكرة الأميركية، خصوصاً لناحية ما تَخلّلها من ثورة في العلاقات الخارجية، وانضمام إلى تكتّلات الشرق، وانفتاح على الدول المُسجَّلة خطراً على لائحة الولايات المتحدة. حينها، فهمت واشنطن أن ضرْب الرأس سيشكّل إعاقة استراتيجية لمشروع التحرّر في محيطها الإقليمي.
وعلى الرغم من المواجهة الأميركية الصريحة في فنزويلا وكوبا على سبيل المثال، إلّا أن الحرب الحقيقية كانت في برازيليا، حيث هيّأت وكالة الاستخبارات الأميركية العدّة والعتاد لإدارة أضخم صراع داخلي، يتمثّل في تجنيد نُخب سياسية وقضائية وأمنية، ما أعطاها اليد الطولى في العبث بالمسرح السياسي البرازيلي، وتجيير منظومة متكاملة لِشَلّ حركة التغيير، عبر تنظيم الانقلابات الدستورية، وفبركة ملفّات قضائية تطاول السياسيين المناهضين للتدخُّل الأميركي، بالإضافة إلى كبرى عمليات التسويق الإعلامي التي تتولّاها المؤسّسات النافذة. ولعلّ التسريبات الأميركية التي نُشرت أخيراً عن التدخّلات في عدد من انقلابات أميركا الجنوبية، ودعم ميليشيات الانفصال في العقود الماضية، ستتْبعها تسريبات مستقبلية ستكشف حجم المؤامرات التي تحيكها السفارة الأميركية في برازيليا، والتي جُهّزت منذ عام 2007 بطاقم من الخبراء والمستشارين المتخصّصين في إدارة الانقلابات وإشعال الصراعات الداخلية.
بناءً على ما تَقدّم، يبدو أن المشهد السياسي البرازيلي مُقبِل على اشتعال هذه المواجهة، بعد فشل ذريع لـ«البولسنارية» السياسية، وسقوط مشروع المحافظين الجُدد المتمثّل في «أدلجة البرازيل» وتحويلها إلى بيئة مناهضة لمشروع التغيير اللاتيني، والأهمّ عودة قائد الثورة اللاتينية الجديدة، لويس إيناسي لولا دا سيلفا، ليتصدّر المشهد الانتخابي، ويَتقدّم استطلاعات الرأي على تنوّعها، وآخرها استطلاع «داتا فوليا» الذي كَشف اعتبار غالبية البرازيليين، دا سيلفا، الرئيسَ الأنجح في تاريخ الدولة اللاتينية، ومفتاحَ الإنقاذ الوحيد بعد التداعيات الخطيرة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لحُكم بولسنارو، الذي أعاد البرازيل عقوداً إلى الوراء، من خلال تفشّي البطالة وعودة الجوع الذي طاول أكثر من عشرين مليون برازيلي، وارتفاع نسب التضخّم وفقدان العملة الوطنية لقدرتها الشرائية، والسياسات الكارثية في مكافحة فيروس «كورونا» الذي حصد أكثر من نصف مليون ضحية خلال عامَين. أمّا في الأرقام النهائية، فقد حَلّت البرازيل في المرتبة الـ26 للأداء الاقتصادي هذا العام، بينما كانت تحتلّ المرتبة السادسة عالمياً - مُتفوّقةً على بريطانيا -، إبّان حُكم الرئيس الأسبق دا سيلفا، قبل عقد من الزمن.

سيرجيو مورو... مُجدّداً
في دراسة شاملة للمشهد السياسي البرازيلي، باتت واشنطن مقتنعة بأن الرأي العام في هذا البلد قد حسم خياراته السياسية في اتّجاه إعادة انتخاب دا سيلفا. وعليه، بدأت ماكينة السفارة الأميركية بدرْس الخيارات المطلوبة لهَزْم اليسار مجدّداً بأيّ ثمن. لكنّ الأميركيين يعرفون أيضاً أن حليفهم جايير بولسنارو، غير قادر على مواجهة دا سيلفا، وأن المرحلة القادمة تحتاج إلى شخصية مختلفة موثوق في ولائها السياسي، ليستقرّ الأمر على اختيار وزير العدل السابق، القاضي سيرجيو مورو، ليكون مرشّح البيت الأبيض في البرازيل. ذاع صيت مورو، القاضي في المحكمة الفيدرالية في مدينة كوريتيبا - ولاية بارانا -، عام 2014، حين تولّى «عملية لافا جاتو» (غسيل السيارات) المُختصّة بملاحقة ملفّات الفساد. لكنّ النقطة الفارقة في مسيرته، والتي جعلته يتصدّر المشهدَين السياسي والإعلامي، كانت عام 2017، حين حُوّلت إليه قضية الزعيم العمالي، دا سيلفا، بتهمة حيازة الأخير شقّة فارهة شمال ساوباولو، لتتمّ إدانة الرئيس السابق بحُكم مُشدَّد وصل إلى السجن مدّة تسع سنوات ونصف سنة، في واحد مِن أغرب الأحكام في تاريخ القضاء البرازيلي.
كشفت الوثائق والتسجيلات المُسرَّبة التي نشرها موقع «ذا إنترسبت» الأميركي، لاحقاً، أن القاضي مورو، وصديقه المدّعي العام دلتان دالاغنول، فتحا خطّاً ساخناً مع جهاز المخابرات الأميركي (FBI)، الذي كان يشرف على التحقيق وإدارة الملفّ الاتّهامي، الأمر الذي وصفته صحيفة «لوموند» الفرنسية بأنه «أكبر فضيحة قضائية في التاريخ». وبحسب التقرير الصادر في نيسان الماضي، فقد تمّت دعوة مورو للمشاركة في اجتماع تُموّله وزارة الخارجية الأميركية عام 2007، بمشاركة عدد من مُمثّلي مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارتَي العدل والخارجية، حيث اتُّفق على إنشاء لجنة قضائية متخصّصة برئاسة كارين مورينو تاكسمان، المُتخصّص في مكافحة غسل الأموال والإرهاب، تعمل داخل السفارة الأميركية، لمتابعة الملفّات الداخلية بالتعاون مع عدد من القضاة البرازيليين.
بعد إدانة لولا، وإبعاده عن السباق الرئاسي عام 2018، حصد مورو ثَمن جُهده، بتولّيه وزارة العدل، ومن خلاله شرَع الأميركيون في فتح الملفّات القضائية الخاصّة بشركة النفط البرازيلية الرسمية «بتروبراس»، لإضعافها، بُغية الشروع في تخصيصها، بعد ضمانات من الرئيس الجديد، جايير بولسنارو، بإعطاء الشركات الأميركية الأولوية في هذا الاستثمار. حَقّق مورو الطموح الأميركي إلى نفوذ يطاول وزارة العدل - وبُنيتها الإدارية -، التي شهدت اجتماعات حضرها رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، وعُقدت خلالها اتفاقات ثنائية أخطرها اتفاقيةٌ تتيح للأميركيين الحصول على بيانات وبصمات مواطنين برازيليين «مشبوهين». بعد افتضاح أمر مورو، ونشْر موقع «إنترسبت» الوثائق والتسجيلات التي تُثبت الاتصالات الثنائية بينه وبين جهات أمنية أميركية، وعملية التلفيق التي قادها فريق التحقيق ومكتب المدّعي العام، قَدّم وزير العدل استقالته من منصبه بذريعة تدخّل بولسنارو في تعيينات الشرطة الفيدرالية. لكنّ مصدراً مقرّباً من الرئيس اعتَبر أن قاضي التحقيق قد فقد مصداقيّته القضائية تماماً، وبالتالي سيتوجّه إلى العمل السياسي مدعوماً من رؤسائه في السفارة الأميركية.

استراتيجية التعويم
بدأت خلية العمل التابعة للسفارة الأميركية في برازيليا، مِروحة من الاتصالات السياسية مع عدد من الأحزاب والمؤسّسات الأمنية لتغطية ترشيح سيرجيو مورو. واعتَمدت خريطة الطريق، بدايةً، على إضعاف جايير بولسنارو من خلال رعاية حملات مضادّة له، قادها حليفه السابق، قائد الجيش البرازيلي إدسون بوجول، الذي اتّهمه بالتسبُّب بسقوط عدد كبير من الضحايا جرّاء سياساته المتهوّرة. وذكّر بوجول بعشرات الآلاف من الجنود البرازيليين الذين وقفوا في الخطوط الأمامية، وخاطروا بحياتهم لمكافحة الوباء، بينما كان الرئيس يسخر من المرض واللقاح بإصرار. لم تقتصر حركة واشنطن على محاولة التصفية السياسية لبولسنارو وتجييرها لمصلحة «الابن المدلّل» سيرجيو مورو، بل عمدت إلى مدّ خطوط سياسية مع معارضي بولسنارو، وأهمّهم حاكم ولاية ساوباولو جواو دوريا، الذي استُدعي إلى واشنطن في محاولة أميركية لمنْعه من الترشّح للرئاسة وتجيير قُوّته الانتخابية إلى مورو.

بدأت خلية العمل التابعة للسفارة الأميركية في برازيليا مِروحة من الاتصالات مع الأحزاب والمؤسّسات الأمنية


كذلك، يتخوّف قياديون في «حزب العمال» من محاولة خلْط الأوراق الانتخابية في الأيام الأخيرة قبل التصويت، عبر إعادة فتح الملفّات القضائية التي سقطت بعد تكشُّف عمليات التلاعب والتزوير فيها؛ إذ إن سلوك واشنطن وتاريخها في التدخّلات عبر ملفّات مختلَقة، يُبقيان المحاذير قائمة من إعادة الكَرّة من خلال قضاة مرتبطين بالسفارة الأميركية في برازيليا. إلّا أن خبراء قانونيين يستبعدون تمكُّن الولايات المتحدة وحلفائها من إقناع الرأي العام البرازيلي بالسيناريو السابق نفسه، ما قد يفتح الباب أمام سيناريو أسوأ، يتمثّل في استهداف أمني قد يطاول دا سيلفا، ويُوضع في خانة الانتقام الشخصي، مع تنامي التيّارات الدينية المتطرّفة التي تكنّ العداء الشديد لـ«حزب العمال» والتيار اليساري يشكل عام. وفي هذا الإطار، ينبّه أمنيون إلى خطورة مشاركة دا سيلفا في الحملات الانتخابية، من دون اتّخاذ أعلى درجات الحماية، بالنظر إلى أن احتمالات تَعرُّضه لاعتداء مباشر عالية جدّاً. ومن بين الأوراق التي تحتفظ بها واشنطن أيضاً، هي رفض المؤسّسة العسكرية ترشيح دا سيلفا، وهو ما قد يدفعها إلى اتّخاذ الإجراء نفسه الذي فعّلته عام 2018، عندما قرّر القاضي روجيريو فافريتو إطلاق سراح دا سيلفا وقانونيّةَ عودته إلى المنافسة الانتخابية، حيث عَقدت قيادة الجيش اجتماعاً مفتوحاً، وهدّدت بإجراءات صارمة، ما استدعى تدخُّل القاضي جبران نيتو ليُلغي قرار زميله، ويفتح المجال واسعاً أمام فوز بولسنارو.
أمام هذا المشهد، يبدو أن الحرب الأميركية ستستعر في الأشهر المقبلة، بالاعتماد على سلسلة من الإجراءات والخطط، ومَدّ إعلامي غير مسبوق لإعادة احتلال البرازيل سياسياً، ومَنْعها من قيادة المنطقة المحيطة بالولايات المتحدة الأميركية. أمّا «حزب العمال»، الذي يتّجه إلى تشكيل أكبر تكتّل سياسي يَجْمعه مع حلفائه اليساريين ويمين الوسط، عبر إمكانية ترشيح جيرالدو ألكمين كنائب لدا سيلفا، فيدرك شراسة المعركة القادمة وأهمّيتها. فهذه المرّة، سيكون الانتصار بطَعم آخر، ومدخلاً لسياسات مختلفة، أبرزها إغلاق منافذ التسلّط الأميركي في الداخل، ورسْم خريطة حُكم جديدة تُقتلع بموجبها عصابات واشنطن من مؤسّسات القضاء والأمن والإدارات العامة.