يؤدّي الدين دوراً كبيراً في تشكيل الهويات القومية والقيم والعادات والتقاليد، ويصنع إطاراً فكرياً للسياسات الداخلية والخارجية ويضع تصوّرات لكيفية التعاطي معها. لذا، فالعامل الديني يمكنه أن يغيّر نمط العلاقات الدولية من خلال تحديد الفاعلين وأهدافهم والقواعد التي يتصرّفون وفقها.

في القضايا الدولية المعقّدة ومواقف الدول منها، كما في حالة الصراع الروسي ــــ الأوكراني، والتي تعدّ بلداناً مسيحية، يمكن النظر إلى الصراع وتحليله من المنظور الديني، مع تفهّم أنه لا يوجد تأييد تام بين محلّلي السياسات الدولية على دور العامل الديني حيث يراه البعض: متغيّر جديد ضمن الأطر النظرية القائمة لأي حدث تاريخي، بينما يراه آخرون كعنصر صعب التضمين ويجب التعامل مع العامل الديني دائماً وفق قراءات زمنية لتفهّم دوره.
تؤدي الكنيسة الروسية دوراً كبيراً في السياسة الخارجية الروسية، حيث يمتد تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية إلى أكثر من ألف عام، حين اعتنق الروس المسيحية في عهد الأمير فلاديمير الأوّل مؤسس روسيا، التي كانت تُعرف في أوّل الأمر بـ«كييف روس»، وقد صاغت العلاقة بين الكنيسة والدولة طبيعة متناغمة لتسمح للحاكم بترتيب الأمور الدنيوية في إطار المفاهيم الدينية التي ينتجها له بطريرك الكنيسة.
خلال فترة «كييف روس»، كانت المسيحية مظهراً لتمييز الروس عن ما عداهم من الوثنيين والمسلمين في الإطار الجغرافي، ولاحقاً أدى المذهب الأرثوذكسي دوراً في التمييز بين الروس ونظرائهم مِن معتنقي المسيحية الكاثوليكية الغربية. لذا قامت الكنيسة الأرثوذكسية بدور كبير في تكوين نواة المقاومة الصلبة لهجمات المغول والصراع مع بولندا (حوالي 87 في المئة من سكان بولندا يتبعون الكنيسة الرومانية الكاثوليكية)، ما عزّز فكرة أن موسكو الأرثوذكسية أصبحت الوريثة الشرعية لروما التي سقطت في يد العثمانيين المسلمين.
بدأ رجال الدين الأرثوذكس من عام 1453 التأكيد على الهوية الدينية لروسيا كحام للأرثوذكس وتوصيفها بأنها الدولة الحاملة للرسالة الإلهية تجاه العالم. وانطلاقاً مِن هذه الفكرة، تمّت صياغة مسألة التدخّل في الدولة العثمانية لحماية الأقليات الدينية، وخاصة الأرثوذكسية، وتأسّس لهذا ما عُرف بالجمعية الإمبراطورية الروسية في فلسطين، والتي برز دورها في القرن التاسع عشر والفترة التي تلت الانهيار السوفياتي (1991).
في بداية القرن الثامن عشر، واجهت الأرثوذكسية تحدّياً متمثّلاً في زيادة نفوذ القيصر بطرس الأكبر، الذي أدّت رغبته لتغريب روسيا إلى فقدان الكنيسة دورها، وذلك لما اتخذه من إجراءات مثل إلغاء منصب البطريرك وإنشاء مجلس لإدارة الكنيسة مكوّن من موظفين حكوميين وحرمان الكنيسة مِن ممتلكاتها. واستمر الوضع الهش للكنيسة حتى مع سقوط القيصرية الروسية وقيام الاتحاد السوفياتي الذي اتخذ موقفاً إقصائياً ضد الكنيسة جراء انحيازها للرجعية (الجيش الأبيض) وجراء القراءة الماركسية التي تهمّش الدين في حياة الإنسان.
خلال الحرب العالمية الثانية، وجد الحزب الشيوعي ضرورة لإعادة تفعيل دور الكنيسة الكلاسيكي وقت الحروب، فعمد الى إعادة منصب البطريرك وفتح الكنائس في كُل البلاد، بالإضافة إلى السماح بالمدارس الدينية، وقد تكيّفت الكنيسة الأرثوذكسية مع الوضع الجديد وارتضت بهامشية دورها حتى سقوط غورباتشوف.

تدريجياً تكوّنت صلات وثيقة بين السلطة والكنيسة، وخصوصاً في ظل سعي الكرملين لصياغة أيديولوجية قومية جامعة تمثّل بديلاً فعّالاً من الشيوعية


خلال فوضى التسعينيات التي أعقبت الانهيار السوفياتي، تنامى دور الكنيسة الاجتماعي وخصوصاً عندما طُرح سؤال: ما هي الهوية الروسية؟ ليعود المنظّرون مرة أخرى للدين، وخصوصاً المذهب الأرثوذكسي الذي مثّل مكوّناً أساسياً لهذه الهوية منذ ألف عام سبق. وقد دعمت الكنيسة بوريس يلتسن ضد الخصم الشيوعي غينادي زوغانوف في انتخابات الرئاسة 1996 للحفاظ على مكتسباتها ومنع عودة الشيوعية ومعها تهميش دور الدين. بالمقابل، حصلت الكنيسة الأرثوذكسية عام 1997 على قانون يمنع وجود أي جماعات دينية تبشيرية أخرى.
تدريجياً، تكوّنت صلات وثيقة بين السلطة الروسية والكنيسة الأرثوذكسية، وخصوصاً في ظل سعي الكرملين لصياغة أيديولوجية قومية جامعة تمثّل بديلاً فعّالاً من الشيوعية. ولا تبدو السياسة الروسية الدولية ما بعد الشيوعية واضحة في إطار النزعة البراغماتية، بل تشكّلت سياسة هجينة جراء ما نتج من حقبة التسعينيات من تبعات مؤلمة للشعب الروسي على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي وفقدان روسيا لصفة وأفكار ومؤسسات القوى العظمى التي كانت تحظى بها. لهذا، مهم أن يؤخذ هذا في الاعتبار للفهم الدقيق للسياسة الخارجية الروسية بدلًا من حصر التفسير في مفهوم واحد قائم على الأمن القومي أو التوسّع الإمبريالي في التعامل مع القضية الأوكرانية.
تكشف وثائق «عقيدة» (صادرة عن وزارة الخارجية الروسية) التي نُشر منها أربعة إصدارات أن بين عامَي 2008 – 2013 تنامى العنصر الديني في السياسة الروسية وبدأ يحدّد أولويات الحكومة، وقد ظهرت الكنيسة الأرثوذكسية بشكل واضح للتعامل مع شعوب الفضاء السوفياتي السابق من أجل منع الصدام والتصدّي للحملات التضليلية ضد المذهب الأرثوذكسي والدولة الروسية في الوقت ذاته.
عام 2007، ومع الاحتفال السنوي لتنصيب البطريرك ألكسي الثاني، جرى الحديث عن ضرورة التنسيق بين الكنيسة الأرثوذكسية والدولة الروسية في ما يتعلّق بحماية المسيحيين الأرثوذكس خارج روسيا. وبالفعل عام 2012 التقى بوتين (رئيس الوزراء آنذاك) بقيادات الكنيسة الأرثوذكسية وتعهّد أمامهم بمعالجة قضايا اضطهاد الروس الأرثوذكس حول العالم وأن تلك المسألة أولوية لسياسة الخارجية الروسية. وبالفعل عام 2014 قام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بنقد البلدان الغربيّة على تجاهلها ما وصفه بالكراهية ضد المسيحية وعدم تضمين القانون الأوروبي أيّ نص يحمي المسيحية كديانة للقارة ككل.
عام 2015، على هامش الدورة الـ 28 لمجلس حقوق الإنسان، تحدّث وزير الخارجية سيرغي لافروف عن اضطهاد المسيحيين الأرثوذكس، ليس في بلدان إسلامية، بل في أوكرانيا تحديداً، وأن الاتحاد الأوروبي متواطئ في هذا الأمر. وقد ظهر هذا جلياً مع اندلاع الصراع الروسي ــــ الأوكراني حيث تتّهم موسكو حكومة كييف بحملة إبادة شبيهة للنازية ضد ساكني إقليم الدونباس من مسيحيين أرثوذكس، بينما تنفي كييف هذا بأن سلطتها يرأسها فولوديمير زيلينسكي المولود لأبوين يهوديين، أي يدرك معنى الاضطهاد الديني ولا يمكن أن يقدم عليه.
في التتبع نفسه للسياق الديني للصراع الروسي ــــ الأوكراني، قام البابا فرنسيس، بابا الكاثوليك، بزيارة للسفارة الروسية لدى الفاتيكان في روما «للتعبير عن قلقه» حيال الحرب في أوكرانيا، وفق ما أعلن المكتب الإعلامي للكرسي الرسولي. وأضاف إن الحبر الأعظم، الذي كان قد دعا إلى «حماية العالم من جنون الحرب»، والتقى السفير الروسي ألكسندر أفدييف، وقد استغرقت زيارته للسفارة «أكثر من نصف ساعة بقليل». وذلك بالتزامن مع بدء ظهور فيالق عسكرية تابعة للكاثوليك (9.4 في المئة من سكان أوكرانيا) على جبهات الصراع الروسية ــــ الأوكرانية.
مع بدء الحرب الروسية في سوريا ضد الإرهاب، أصدرت الكنيسة الأرثوذكسية تصريحاً يشير إلى أن الحرب في سوريا مقدّسة. ومثّلت هذه المباركة الكنسيّة بداية جديدة لتنسيق الكنيسة والحكومة الروسية. وتأكّد هذا التناغم في الصراع مع أوكرانيا (12.8 في المئة يتبعون الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية ــــ بطريركية موسكو) حيث ذكر راعي الكنيسة الأرثوذكسية الروسية البطريرك كيريل، أنه يجب حماية الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين، من التأثيرات الخارجية، موضحاً أنه «ليحمي الرب ويحفظ كنيستنا في وحدة، ليحمي الرب الشعوب التي هي جزء من الفضاء المشترك للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، من الصراع الداخلي، لا يجوز السماح للقوى الخارجية المظلمة والمعادية بأن تخدعنا. يجب أن نفعل كل شيء للحفاظ على السلام بين شعوبنا، وفي الوقت نفسه حماية وطننا التاريخي المشترك من كل تلك المؤثرات الخارجية التي يمكن أن تدمّر هذه الوحدة». فيما وصف البطريرك حكومة كييف بأنهم «قوى شر».
أخيراً، قد يرى البعض أن نشاط الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في الصراعات الدولية ليس سوى توظيف سياسي لورقة حماية المسيحيين الأرثوذكس لتغطية الأهداف الروسية الاستراتيجية على الصعيد العالمي والإقليمي. لكن تبقى الحكومة الروسية لدعم الكنيسة لمباركة تحرّكاتها في الخارج وامتصاص أي نقد من التكلفة المادية والبشرية للحروب، وخصوصاً (سوريا وأوكرانيا). في المقابل، تحصل الكنيسة الأرثوذكسية على دعم مؤسّسي يضمن لها التوسّع التبشيري داخل الحدود الروسية وخارجها، بالإضافة إلى حماية ممتلكات الكنيسة وصدّ حملات تراها عدائية ضد تعاليم الكنيسة تحت مسمّى «حقوق الإنسان».