هل صارت أميركا ضعيفة إلى درجة أنّ الدول النفطية في الخليج، والتي كانت أنظمتها أو أسرها الحاكمة في السابق تعتمد على واشنطن كلّياً لحمايتها من مختلف أنواع المخاطر والمطامع الداخلية والخارجية، نأت في حرب أوكرانيا عن توريط نفسها مع الولايات المتحدة، وآثرت اتّخاذ موقف الانتظار ريثما ينجلي غبار المعركة؟

ما لا جدال فيه أنّ المحرّك الأساسي لسياسات حكّام الخليج هو غريزة البقاء، التي صار هؤلاء يملكون قرون استشعار تُمكّنهم من استخدامها على أفضل وجه. ولا أكثر من دونالد ترامب يعرف هذا، فهو كان قد تنبّأ به، حين قال مراراً إن «تطفيش» هؤلاء سيدفعهم إلى أحضان الروس والصينيين.
في أيام معدودة، استدار الخليجيون دورة كاملة، مستخدمين القرون إيّاها التي التقطت الحاجة إلى اتّقاء شرّ «الدب الروسي» الراقص في أوكرانيا. وهكذا، صار الدفاع عن الأمن القومي الروسي مشروعاً بالنسبة لمحمد بن زايد، وبات القول إنّ تميم بن حمد استُدعي إلى البيت الأبيص على عجل، تهمةً يتعيّن نفيها فوراً بالنسبة لحمد بن جاسم بعدما كانت قبل أيام موضع تفاخر بتعاظُم دور الدوحة، بل إنّ اتّصالات الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بأمير قطر، أصبحت عبئاً على الأخير ومصدر حرج له أمام الرئيس الروسي. أمّا محمد بن سلمان فكان قد سبق الاثنين، وتحالف مع فلاديمير بوتين في «أوبك بلس»، لا لأنه «أشطر» منهما، بل لأنّ جو بايدن أعفاه من الحاجة إلى «الشطارة» بأن حرمه من «بركة» أميركا التي كانت حتى الأمس القريب شرطاً وحيداً للوصول إلى الحُكم أو البقاء فيه، فإذا بنبوءة ترامب تتحقّق بأسرع مما تخيّل، بعدما استحال «نعَس» جو، سباتاً شتوياً مديداً.
ولا حاجة لهؤلاء بقرون استشعار لمعرفة أنّ المال يشتري كلّ شيء. فهذا جرّبوه طويلاً، حتى يكاد المال الذي دفعوه رشًى، إذا فرشتْه، يغطّي الكرة الأرضية بأكثر من طبقة تكتونية. وهذا يوصل إلى الطفرة النفطية الجديدة التي تُبيّن أن حكام الخليج مالوا ميْلتهم نحو بوتين، طمعاً، لا حبّاً فقط. فعندما يصبح سعر النفط من ثلاثة أرقام (بلغ 118 دولاراً أوّل من أمس)، فهذا يعني حياة جديدة لحكّام لم يتورّعوا عن القيام بأيّ شيء ليقوا أنفسهم شرّ السقوط، من التطبيع مع العدو الإسرائيلي، إلى تلويث أيديهم بدماء أبناء جلدتهم، عبر إذكاء الحروب، من سوريا إلى اليمن إلى ليبيا وغيرها.
قبل سنوات، عندما تهاوت أسعار النفط إلى الحضيض، أراد أمير الكويت الراحل، صباح الأحمد الصباح، إقناع شعبه بشدّ الأحزمة، فاستحضر مثلاً شعبياً يقول: «قال أنفخ يا شريم، قال ما من برطم»، ومعناه أنّ الأشرم ليست لديه شفتان لينفخ. «البراطم» كثيرة في الخليج هذه الأيام، كما دلّ اجتماع منتجي النفط الأخير الأربعاء الماضي، حين رفضوا مرّة أخرى الاستجابة لضغط أميركي وغربي، بتغيير سياسة الإنتاج، على رغم اقتراب البرميل من سعر 125 دولاراً الذي يرى خبراء اقتصاد كثر أنّ من شأنه إدخال أميركا في ركود تضخّمي يطيح أيّ فرصة لبايدن للبقاء في الحكم في انتخابات 2024، وكذلك احتفاظ الديموقراطيين بالسيطرة على مجلسَي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني المقبل.

دول الخليج تدرك أنّ حصّتها من النفط تمنحها هوامش مناورة كبيرة، تتّسع كلّما ارتفعت الأسعار


لا يعني ما تَقدّم أنّ دول الخليج خرجت أو ستخرج من العباءة الأميركية، وإنّما هي تدرك أنّ حصتها من النفط تمنحها هوامش مناورة كبيرة، تتّسع كلّما ارتفعت أسعار الذهب الأسود وصارت الولايات المتحدة بحاجة إليها أكثر، خاصة أن سياسة الديموقراطيين القائمة على تقليل الاعتماد على النفط المستورَد، من ضمن استراتيجية أوسع لتخفيف الاعتماد على النفط الأحفوري ككلّ، مترافقة مع محاولة لتخفيف الوجود العسكري الأميركي في الخليج، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بتوتّر علاقة الإدارات الديموقراطية الأخيرة، بهذه الأنظمة، نظراً لما تمثّله حمايتها من عبء أخلاقي وكلفة مادية، خاصة بعدما تنامت الكراهية لأسر الحكم الخليجية، ولا سيما السعودية، في أوساط الأميركيين منذ 11 أيلول. هكذا، يصبح امتناع الإمارات عن التصويت في مجلس الأمن على مشروع قرار يدين الحرب الروسية في أوكرانيا، واتصال ابن زايد ببوتين، مؤشّرَين إلى ميزة لدى أبو ظبي (يوفّرها النفط) تحسدها عليها تل أبيب، التي أربكها الحدث الأوكراني وحشرها في وضع صعب بين روسيا وأميركا. وهكذا أيضاً، يغدو حرد ابن سلمان على بايدن (ردّاً على مقاطعة الأخير له)، يجد صداه بين السعوديين، الكارهين لأميركا، والسعداء بارتفاع أسعار النفط.
تراجع السطوة الأميركية، ضمن المسير نحو عالم متعدّد الأقطاب، لا تَظهر أعراضه في الخليج فحسب. الهند، مثلاً، التي تُعتبر حليفاً رئيساً للولايات المتحدة في صراعها الأبدي مع الصين، امتنعت هي الأخرى عن التصويت على مشروع القرار إيّاه في مجلس الأمن، في مؤشّر إلى عدم ثقتها بإمكان الاعتماد على تلك السطوة في تلبية حاجاتها النفطية، حيث النظام الأميركي الجديد لأسواق النفط والغاز يفترض أن تتركّز مبيعات النفط الخليجية، ولا سيما وقت الأزمات، على الهند التي تريدها واشنطن أن تصبح بديلاً من الصين، كمستهلك رئيس للنفط في العالم، لإضعاف موقع الأخيرة. وقد كان هذا، في غياب السعودية المفترَض أميركياً أنه «مؤقّت»، الدافع الأساس وراء الإعلان خلال الأشهر الماضية عن «التحالف الرباعي الجديد» الذي ضمّ الولايات المتحدة وإسرائيل والهند والإمارات، إلى جانب دافع آخر يتمثّل في «فركشة» مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.
على أنّ النتيجة النهائية لهذا الكباش كلّه، تظلّ مرتبطة بمآلات القتال على أرض المعركة، التي تأكّد منها إلى الآن الإصرار الروسي على المضيّ حتى النهاية، بالارتكاز على رؤية واضحة مفادها أنّ ما تطالب به موسكو هو الحدّ الأدنى الذي لا تستطيع القبول بأقلّ منه حتى لو جاء الطوفان. ومهما كانت الدعاية الأميركية والغربية كبيرة ومضلّلة، فسيظلّ على الولايات المتحدة في نهاية المطاف، أن تُقنع العالم بأنّ من حقّها أن تأتي من النصف الآخر من الكرة الأرضية لتشعل جبهة على حدود روسيا، بينما لا يحقّ للأخيرة إرسال جيشها إلى ما وراء الحدود بضع مئات من الكيلومترات، للدفاع عن أصل وجودها.