في ما ظهر ابتداءً مشهداً من خارج السياق، تساقطت عشرات الصواريخ الباليستية على «هدف إسرائيلي سرّي» في أربيل في إقليم كردستان العراق، ليسارع الحرس الثوري الإيراني إلى تبنّي الهجوم. إلّا أن بيان الحرس أشار بوضوح إلى أن العملية لم تكن من خارج السياق، كما حاول البعض في العراق إشاعته، إنما أتت «بعد الجرائم الأخيرة التي ارتكبها الكيان الصهيوني». التبنّي الإيراني الرسمي، اللافت والسريع، أعاد فتح الباب أمام الحديث عن وجود إسرائيلي في أربيل تحديداً، ويُعدّ أحد منطلقات الحرب الأمنية المفتوحة بين إيران وإسرائيل ــــ على مساحة تتّصل بسوريا أيضاً ــــ، والتي تفاقمت بعد تسارع وتيرة التطبيع العربي ــــ الإسرائيلي.

في طهران، ثمّة تأكيد أن عملية أربيل استهدفت مقرّاً إسرائيلياً سرّياً «يدير عمليات أمنية ذات صلة بساحات مواجهة مع إيران لا تقتصر على العراق». إذاً، فالعملية ليست محصورة بحادثة مقتل الضابطَين الإيرانيَّين في سوريا قبل أيام، بقدر ما هي متعلّقة بجهود ضمان الأمن القومي الإيراني خارج الحدود، وخصوصاً لما يعنيه وجود مقارّ إسرائيلية سرّية في كردستان، وإهمال العديد من الرسائل الإيرانية إلى القيادات العراقية في بغداد وأربيل، بشأن عملها. وبهذا المعنى، يمكن فهم الهجوم على أنه «رسالة عملانية مباشرة إلى مَن هم خلف بعض القيادات العراقية في بغداد وأربيل».
في بغداد، كان زعيم "التيّار الصدري"، مقتدى الصدر، الأسرع على الإطلاق في إدانة العملية. إذ أصدر الرجل موقفاً عبر «تويتر»، فيما لم يكن غبار الصواريخ قد انجلى من سماء المنطقة المستهدفة، قال فيه إن «أربيل تحت مرمى نيران الخسران والخذلان وتحت طائلة التجويع... وكأن الكرد ليسوا عراقيين». واستتبعه بموقف لاحق دعا فيه «الجهات المختصة إلى رفع مذكرة احتجاج إلى الأمم المتحدة والسفير الإيراني فوراً، مع أخذ ضمانات بعدم تكرار» الحادثة. قرأ خصوم الصدر في بغداد موقفه السريع، في سياق «الاستثمار السياسي في إطار الصراع الحاصل بين الكتل والأطراف على ضمّ أكبر عدد من الكتل للظفر برئاسة الحكومة العراقية، وخصوصاً تصويبه على قرار المحكمة الاتحادية في بغداد، والذي قضى بعدم دستورية قانون النفط والغاز لحكومة إقليم كردستان، عندما تحدّث عن أربيل الواقعة تحت طائلة التجويع».
من جهته، دان رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، العملية، متعهّداً بالتصدّي «لأيّ مساس بأمن مدننا وسلامة مواطنينا»، فيما عدّت وزارة الخارجية العراقية الهجوم «انتهاكاً صارخاً للسيادة العراقية، وترهيباً للآمنين، ويتسبّب بزعزعة الأمن والاستقرار في الإقليم وعموم العراق، في مرحلة بالغة الأهمية».

عملية أربيل استهدفت مقرّاً إسرائيلياً سرّياً «يدير عمليات أمنيّة ذات صلة بساحات مواجهة مع إيران لا تقتصر على العراق»


أمّا في أربيل، فقد أتى الموقف متناغماً مع موقف الصدر، حيث قال عضو «الحزب الديموقراطي الكردستاني»، عماد باجلان، لـ«الأخبار»، إن «الهجوم يستهدف إضعاف الكرد بصورة عامة، والديموقراطي الكردستاني بصورة خاصة، لأنه ركن أساسي من أركان العملية السياسية ولم ولن يرضخ يوماً للإملاءات الإيرانية، ولأنه طرف رئيسيّ في التحالف الثلاثي مع التيار الصدري والسيادة»، معتبراً أن هذه الأسباب تدفع إيران إلى أن «تضغط بكلّ الطرق على الديموقراطي، تارة عبر تحريك القضاء والمحكمة الاتحادية، وطوراً عبر الصواريخ». وربط باجلان هجوم أربيل بالقصف الإسرائيلي الذي أدّى إلى مقتل ضابطَين إيرانيّين في سوريا، قائلاً إن هذا «الهجوم إرهابي وغادر، لأن أربيل لا علاقة لها بالقصف الإسرائيلي الواقع داخل الأراضي السورية، وأربيل ليست الجولان».
العملية الإيرانية الأوضح منذ بدء طهران الحديث عن «خطر إسرائيلي قادم من أربيل»، فتحت نقاشاً في العراق بشكل عام حول حقيقة وجود إسرائيلي سرّي في إقليم كردستان، وما نوعه ودوره، فضلاً عن مدى تورّط بعض الأطراف العراقيين في عملية التستّر على ذلك الوجود، وما إذا كان أداؤهم هذا مرتبطاً بمساعي التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، والذي يحتلّ العراق موقعاً متقدّماً على لائحة الدوَل المُستهدفة به. وفي هذه الحالة، وبعيداً عن الأهداف السياسية المؤقّتة للبعض، فإن الحكومة العراقية، ومعها كلّ الأحزاب والشخصيات، مطالَبون بالعمل على كشف حقيقة التغلغل الإسرائيلي في العراق، ابتداءً من كردستان، والعمل على مواجهته ووضع حدّ له، انطلاقاً من قاعدة رفض أن يكون العراق منطلقاً لاستهداف جيرانه. وهنا أيضاً، يجدر فتح النقاش لإيجاد حلول جادّة لحكومة الإقليم التي غالباً ما تتمرّد على قرارات حكومة بغداد، لتحصين البلاد وقرارها الرسمي والاستراتيجي على أعتاب تغييرات كبرى تنتظرها المنطقة.
وبعيداً من الخوض في السجال الإعلامي الرائج حول جهود إيران لضمان أمنها القومي ومواجهة الأخطار القادمة إليها من الخارج، وما إذا كان ذلك مشروعاً لها كما هي الحال مع تركيا في مواجهة حزب «العمّال الكردستاني» على الأراضي العراقية، وبصرف النظر عن النقاش الدائر حول ما إذا كانت طهران قد استغلّت «التوقيت المناسب» على هامش التعقيدات الجارية في فيينا، لتمرير رسائل تحذيرية إلى تل أبيب من أيّ حركة غير محسوبة باتجاه الأمن الإيراني الوطني أو القومي، وبمعزل أيضاً عمّا إذا كانت مفاوضات فيينا ستثمر إحياء الاتفاق النووي أو لا، فإنّ للعراق مصلحة أكيدة في أن يعالج أسباب هجوم أربيل... بدل لعن نتائجه.