موسكو | في مشهد يعيد إلى الأذهان كوابيس الحرب العالمية الثانية، حيث خضعت مدينة ليننغراد لحصار خانق، لم يُستثنَ منه سوى مسار بحري وحيد، كان تَجمّد مياهه في الشتاء يُجبر الشاحنات على العبور فوق الجليد من أجل إيصال البضائع إلى الإقليم، بدأت ليتوانيا، بدفْع غربي على ما يبدو، منذ أيام، فرْض حظر على مدينة كاليننغراد الروسية الحبيسة، سيتصاعد تدريجياً وصول إلى منع عبور النفط والغاز الروسيَين في اتّجاهها. حظرٌ إنّما يمثّل نقطة تحوّل في مسار الحرب الدائرة على أعتاب أوروبا، كونه يشكّل - بحسب الكرملين - انتهاكاً «غير قانوني وغير مسبوق»، لكنه لن يدفع روسيا، وفق ما يَظهر إلى الآن، إلى اتّخاذ خطوات دراماتيكية، سيكون من شأنها جرّها إلى صراع غير مرغوب مع «الناتو»، الأمر الذي يعني الاكتفاء حالياً بالتصعيد الدبلوماسي، مع البحث عن مسارات بديلة يمكن من خلال إيصال المنتَجات المحظورة إلى كاليننغراد


يستمرّ الشدّ والجذب بين روسيا من جهة، وليتوانيا وحلفائها الغربيين من جهة أخرى، على خلفية بدء الأخيرة ما يشبه الحصار على كالينينغراد، المدينة الروسية الاستراتيجية الحبيسة في شرق أوروبا، والمُحاطة بليتوانيا وبولندا وبحر البلطيق، حيث لا ممرّ برّياً يصلها بباقي الجغرافيا الروسية، التي ترتبط بها حصراً عبر خليج كالينينغراد وبحر البلطيق المتّصل بالخليج الفنلندي ومدينة سانت بطرسبورغ. ويمثّل هذا الحصار، والذي آذن به إخطار إدارة مؤسّسة سِكك الحديد الليتوانية نظيرتها في كالينينغراد بوقف عبور بعض البضائع الخاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبي إليها بدءاً من 18 حزيران الجاري، خرقاً للاتفاقيات الدولية المبرَمة مع روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ما يمنح الأخيرة صلاحيّة الردّ على انتهاك حقّ من حقوقها السيادية. والجدير ذكره، هنا، أن كالينينغراد كانت، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، تقع ضمن إقليم بروسيا الألماني، قبل أن تنتقل سيادتها إلى الاتحاد السوفياتي بقرار صادر عن مؤتمر بوتسدام عام 1945. ومع انهيار الاتحاد، اعترفت روسيا باستقلال جمهوريات البلطيق مقابل عدم عرقلة الوصول الآمن إلى كالينينغراد، وهو ما تمّ تثبيته أيضاً في البيان المشترك بين روسيا والاتحاد الأوروبي عام 2002. ومع الخطوة الليتوانية الأخيرة، تكون الاتفاقيات والمعاهدات المُنظِّمة للترانزيت الروسي عبر كالينينغراد، التي تُعتبر محوراً رئيساً وعقدة اتّصال للطرق السريعة وسكك الحديد والموانئ البحرية والنهرية كما أنها تحتضن المقرّ الرئيس لأسطول بحر البلطيق التابع للبحرية الروسية، قد تعرّضت لخرق جسيم، ما يستتبع أسئلة كثيرة عن طبيعة الردّ الروسي الذي يتواصل التلويح به.
وعلى رغم اعتبار سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي، نيقولاي باتروشيف، القرار الليتواني مندرجاً في إطار عملية التحشيد التي يقودها «الناتو» على حدود روسيا، والضغوط الغربية القصوى الممارَسة على موسكو، إلّا أنه استبعد اللجوء إلى الخيار العسكري، مكتفياً بالإشارة إلى العمل على «اتّخاذ تدابير مناسبة في المستقبل القريب» لم يوضح طبيعتها، لكنه حذّر من أن «تداعياتها ستكون سلبية وقوية على الشعب الليتواني أوّلاً قبل غيره». وجاء كلام بيتروشيف خلال زيارته منطقة كالينينغراد، حيث اجتمع مع حاكمها، أنطون عليخانوف، وناقش معه كيفية ضمان تزويد المقاطعة بالطاقة، وصيانة خطوط الألياف الضوئية البحرية للتواصل مع باقي المناطق الفيدرالية الروسية، حيث يَبرز من بين الخيارات المتاحة تزويد مواطني المنطقة الشمالية الغربية الحدودية بأجهزة اتّصال محمولة، وتوفير بثّ إذاعي روسي مستدام، مع تأمين وسائل النقل البديلة عن الخطوط البرّية. على أن اللافت هو أن المكتب الإعلامي التابع لمجلس الأمن الروسي حاول التخفيف من حديث باتروشيف، معلِناً أن زياته كانت مجدولة مسبقاً قبل الخطوة الليتوانية، وأن مِثل هذه الاجتماعات تُعقد سنوياً بتكليف من الرئيس فلاديمير بوتين.

إلى الآن، تكتفي روسيا بالتصعيد الدبلوماسي، مع التلويح باتّخاذ إجراءات لحماية مصالحها الوطنية


وأيّاً يكن، فمن بين الإجراءات المتوفّرة أيضاً لدى موسكو للردّ على فيلنيوس، إعلان مناطق غرب أوكرانيا «منطقة محظورة» على الطيران الأوكراني والغربي، وهو ما سبق لروسيا أن هدّدت به غير مرّة من دون أن تُقدِم على تنفيذه، ما بدأ يستدعي مطالبات باتّخاذ «قرارات حازمة»، مِن مثل «استهداف مراكز صناعة القرار الأوكرانية». ويجري، في هذا الإطار أيضاً، استدعاء التاريخ القريب، عبر التذكير بأن ألمانيا اجتاحت بولندا عام 1939 لسبب مشابه، متّصل بما يُسمّى «الكوريدور» أو الممرّ البولندي بين ألمانيا وكالينينغراد التي كانت تُدعى حينها كيونيسبيرغ، وتابعة لإقليم بروسيا الألماني. على أن أيّ تدخُّل عسكري مماثل اليوم، لا يبدو، أقلّه الآن، في متناول اليد، مع أن المسافة التي ينبغي لروسيا السيطرة عليها لعزل كلّ دول البلطيق عن بولندا والدول الأوروبية الأخرى، لا تتجاوز 60 إلى 70 كيلومتراً. إلّا أن المشكلة ليست في القدرة على تنفيذ عملية عسكرية لتحرير خطّ المواصلات من مدينة سمولينسك الروسية إلى كالينينغراد، بل في احتمال أن يستتبع ذلك مواجهة مع «الناتو»، لا تبدو روسيا ولا «الأطلسي» مستعدَّين لخوضها.
إلى الآن، تكتفي روسيا بالتصعيد الدبلوماسي، مع التلويح باتّخاذ إجراءات لحماية مصالحها الوطنية، في حال لم يتمّ رفع حظر عبور البضائع في المستقبل القريب. وكانت موسكو، ربطاً بتذرّع فيلنيوس بأن قرارها مرتبط بقرارات الاتحاد الأوروبي، استدعت سفير الاتحاد الأوروبي، ماركوس أديرير، وسلّمته رسالة احتجاج شديدة اللهجة على «الخطوة العدائية الليتوانية»، التي ستؤدّي بحسبها إلى «تصعيد التوتر»، محذّرة من «تدابير جوابية في حال عدم إعادة تشغيل خطوط المواصلات المعتمَدة». ومن جهته، دافع أديرير بعدم وجود حظر عبور أو حصار لكالينينغراد، مستشهداً بأن عبور البضائع التي لا تخضع للعقوبات يتمّ من دون إعاقة، ومطالِباً الجانب الروسي بـ«التحلّي بالهدوء وعدم تصعيد الموقف لا بالأقوال ولا بالأفعال والسعي لحلّ المسألة دبلوماسياً». وفي الاتّجاه نفسه، أعلنت رئيسة وزراء ليتوانيا، إنغريدا سيمونيته، أن نقل البضائع غير الخاضعة للعقوبات سيستمرّ، كما هو الحال مع نقل الركاب، مؤكّدة استمرار سريان الاتفاق الثُّلاثي بين بلادها وروسيا والاتحاد الأوروبي. وبحسب قائمة البضائع المحظور عبورها عبر ليتوانيا، والتي نُشرت في نصّ من 23 فقرة توزّعت على 66 صفحة، فلا تُستثنى من تلك البضائع إلّا الأدوية والمواد الغذائية والإنسانية، ما يعني أن منتَجات الطاقة الروسية، من نفط وغاز، ستتوقّف عن التدفّق عبر ليتوانيا إلى كالينينغراد في العاشر من آب المقبل، بالنظر إلى أن خطّ أنابيب مينسك - فيلنيوس - كالوناس - كالينينغراد يمرّ عبر الأراضي الليتوانية. ومن هنا، فإن نظام النقل البحري الروسي بواسطة العَبّارات، بدأ استعداداته لاستيعاب الشحنات الجديدة من البضائع التي تحتاج إليها كالينينغراد، بهدف إرسالها إليها عبر خطّ وحيد ممكن يبدأ من الخليج الفنلندي وميناء سانت بطرسبرغ.
وعلى رغم محاولة ليتوانيا تصوير قرارها، الذي عدّه الكرملين «انتهاكاً غير مسبوق لكلّ القواعد»، على أنه إجراء طبيعي، إلّا أن الشارع الروسي يقرأه على أنه «خطوة عدائية» سيكون لها ما بَعدها.