«الاتفاق النووي الإيراني الجديد سيّئ لإسرائيل، وهو أسوأ بكثير من الاتفاق الذي أُبرم عام 2015». يكاد هذا يكون هو موقف إسرائيل الجامع من الصفقة التي تتبلور حالياً بين إيران والولايات المتحدة. لكن على رغم ذلك، سيكون على تل أبيب أن تتعايش مع الاتفاق المنتَظر، وأن تعمل، من دون إزعاج واشنطن، على استثمار إيجابيّاته، التي هي، بطبيعة الحال، أقلّ بكثير من سلبيّاته. ومع تواتر الأنباء حول اقتراب توقيع الصفقة، يتوجّه وزير الأمن الإسرائيلي، بني غانتس، اليوم، إلى واشنطن، للقاء مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، بعدما سبقه إلى هناك مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، إيال حالوتا، الذي قابل بدوره سوليفان. والزيارتان، اللتان تحملان الأجندة نفسها، تُعدّان ترجمة للمقاربة الإسرائيلية التي يَسِمها الغموض والإرباك، في ظلّ رفض الاتفاق من جهة، والحرص في الوقت نفسه، على عدم التشويش على الإدارة الأميركية من جهة أخرى - خلافاً لما جرى عشيّة تسوية 2015 -، حتى لا تتدحرج تل أبيب إلى «الخطأ والحماقة الهائلَين» - وفقاً لتعبيرات عبرية - اللذَين ارتكبتهما لاحقاً، عندما حثّت إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، على الانسحاب من «خطّة العمل المشتركة الشاملة»، وساهمت بالتالي في الدفْع نحو خطّة أشدّ سوءاً بالنسبة إليها.

إلّا أن الحرص على عدم استثارة الإدارة الأميركية لا يعني التسليم الكامل لها، وإنّما تسجيل الموقف الرسمي الرافض بقدْر أقلّ من الصخب - قياساً إلى ما أحدثه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، بنيامين نتنياهو، مِن على منبر الكونغرس قبل سبع سنوات -، فيما في المستويات ما دون الرسمية لا ينقطع الاشتغال على تفنيد المساوئ الاستراتيجية للاتفاق العتيد. ولعلّ إحدى أبرز المفارقات التي تُثقل على تل أبيب، هي أنه في مقابل قلقها هذا، يبدو العالم منشغلاً بشؤونه الخاصة، بما فيه الولايات المتحدة، التي تَظهر بإدارتها وثُنائيّها الحزبي في مجلسَي الشيوخ والنواب، مأخوذةً بقضايا أكثر إلحاحاً، على رأسها تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية على المستوى الاقتصادي، والمواجهة المتصاعدة مع الصين، إضافة إلى الانتخابات النصفية للكونغرس، والتي ستُفضي، على الأرجح، إلى تحويل الرئيس جو بايدن إلى «بطّة عرجاء»، في حال نجح الجمهوريون في انتزاع الأغلبية. في هذا الوضع الحرج، لا تجد إسرائيل بدّاً من تلافي تكرار «إحدى أكبر الحماقات في تاريخها» عندما اصطدمت مع الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، والتنسيق مع الإدارة الأميركية الحالية حول اليوم التالي للاتفاق، والذي لن تجد تل أبيب فيه مَن يساعدها على التعامل مع تداعياته سوى واشنطن، مع ملاحظة أن صوت الأولى في الاعتراض سيكون أعلى في ذلك اليوم.

تريد إسرائيل الاطمئنان إلى أن الصفقة النووية لن يكون من شأنها تحصين نفوذ إيران أو أصولها أو قدرات حلفائها


وفقاً لمصدر أمني إسرائيلي رفيع تحدّث إلى «معاريف»، فإن «التقدير المتشائم السائد الآن في المؤسّسة الأمنية في تل أبيب، هو أن توقيع الاتفاق سيكون خلال أسابيع قليلة، فكلّ الكوابح أُزيلت، وجلّها كان على المستوى التكتيكي، وهي لم تؤثّر في القرار الاستراتيجي الذي اتّخذه الطرفان». ويضيف المصدر نفسه أن «هذا الاتفاق سيُحدث ضرراً استراتيجياً لأجيال في الشرق الأوسط، وسيدفع غالبية الدول إلى طَرْق باب إيران، ونحن نرى من الآن بداية هذه العملية». ما الذي يأمل غانتس أن يحقّقه إذاً عبر زيارته اليوم لواشنطن؟ الهدف المعلَن للزيارة هو محاولة التأثير على الإدارة الأميركية في اللحظات الأخيرة، عبر حثّها على إدخال تغييرات على البنود الجوهرية في الاتفاق، وتحديداً لناحية ما ترى فيه إسرائيل تهديداً لها. وعلى رغم أنه لا مؤشّرات إلى الآن إلى أن الوزير الإسرائيلي سيتمكّن من بلوغ غايته تلك، ولا سيما في ظلّ ما أشيعَ عن تَعذُّر لقائه بوزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن - لأسباب تقنية كما تقول تل أبيب -، إلّا أن ثمّة مطالب «تعويضية» لا تجد إسرائيل مناصاً من عرضها على الأميركيين، حيث ثمّة فرصة لتلبيتها الآن لن تكون متوافرة لدى توقيع الاتفاق أو في أعقابه، وهذه المطالب هي:
أوّلاً: التأكيد أن الصفقة النووية لن يكون من شأنها تحصين نفوذ إيران أو أصولها أو قدرات حلفائها في الإقليم، أيّ كلّ ما هو دون المستوى النووي، في ظلّ توقّع إسرائيل أن يعزّز الاتفاق مساعي طهران لتعزيز إمكاناتها وإمكانات حلفائها، سواءً مالياً أو عسكرياً أو تكنولوجياً أو سياسياً.
ثانياً: تفعيل الضغوط الأميركية على دول المنطقة كي لا تسارع إلى «مصالحة» إيران في مرحلة ما بعد الاتفاق، بما من شأنه التأثير سلباً على المصالح الإسرائيلية، وتهشيم النتائج المَرجوّة من «حقبة التطبيع»، وعلى رأسها الاتّحاد في مواجهة طهران.
ثالثاً: التزام أميركا بتأمين مظلّة حماية لإسرائيل تقيها «ضربات» محتمَلة من إيران وحلفائها، سواءً كانت «ابتدائية» أو ردّاً على اعتداءات من جانب الكيان العبري؛ وترجمة ذلك مساعدات عسكرية وتقنية خاصة يصار إلى العمل على تطويرها والتأكّد من نجاعتها، وإنشاء نظام حمائي إنذاري بالتعاون مع الدول الخليجية.
هل سينجح غانتس في نيل تلك المطالب؟ الجواب هو «نعم» كبيرة جدّاً، خصوصاً أن ما يطرحه على الطاولة مرحَّب به في واشنطن، بل ومعمول عليه من الأساس، مع الاتفاق النووي أو من دونه. لكن ما الحدّ الذي يمكن الولايات المتحدة وإسرائيل أن تصلا إليه في محاولة إضعاف منافع الاتفاق النووي بالنسبة إلى إيران وحلفائها؟ الإجابات غير كاملة إلى الآن، لكن الأكيد أن تل أبيب لن تستطيع، بحال، ثنْي واشنطن عن قرارها الحاسم بالتوجُّه نحو التسوية مع إيران، مهما كانت التداعيات، كون أميركا لا تريد ولا تقْوى في هذه المرحلة، بعد أن فعّلت كلّ خيارات الضغط على طهران، على مباشرة أيّ عمل عسكري ضدّ الأخيرة. لكنّ إسرائيل معنيّة بأن ترفع الصوت عالياً، وتَلفت نظر العواصم صاحبة القرار إلى ضرورة إيلاء جزء من الاهتمام للمرحلة التالية للصفقة النووية، والتي يقدِّر الكيان العبري أن يرتفع فيها مستوى التهديدات الإيرانية لمصالحه، أكثر بكثير ممّا هو عليه الآن، مع حصانة يؤمّنها الاتفاق نفسه لإيران، مع أو من دون تضمينه رسمياً حصانة كهذه.