بعدما وصل التفاؤل بإمكانية إحياء الاتفاق النووي الإيراني إلى ذروته، عاد التشاؤم ليطغى على المشهد المتّصل بهذا الملفّ. عودةٌ تبدو مثيرة للكثير من علامات الاستفهام، بالنظر إلى أن مطالب إيران ما دون الضمانات بديمومة الاتفاق وإبطال الاتهامات المُوجَّهة إليها من قِبَل «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، قد جرت تلبيتها بالكامل، ما يطرح تساؤلات ملحّة لدى واشنطن وتل أبيب عمّا إذا كانت طهران لم تَعُد تريد الاتفاق من أصله. وفيما يَصعب الجزم بحقيقة ما يعرقل إحياء «خطّة العمل المشتركة الشاملة» الآن، في ظلّ حرص إيراني على إدامة الإيجابية يقابله تشكّك غربي، بدأت إسرائيل الترويج لكونها أسهمت في فرملة الموقف الأميركي، فيما الواقع يقول إنه ليس في مقدورها ذلك بأيّ حال، وإن القرار حالياً بيد إيران وحدها، التي يبدو أفضل الخيارات بالنسبة إلى تل أبيب هو التعايش مع اتفاق نووي يضبط برنامجها ويوقّته ويقيّده

رجع الاتفاق النووي الإيراني إلى الخلْف، ولم يَعُد «وشيكاً» كما قدّر كثيرون، حتى مِن بين أقطاب التفاوض. والظاهر أن هذا التراجع يرتبط بإرادة إيران التي لم تتخلَّ عن أيّ مطلب من مطالبها الرئيسة، بل جاء ردّها على الردّ الأميركي على المقترح الأوروبي لإحياء الاتفاق، حاسماً وغير قابل للتأويل: تريد طهران ضمانات بأن لا ينسحب الرئيس الأميركي المقبل من الصفقة، إضافة إلى تخلّي «الوكالة الدولية للطاقة الذرّية» عن اتّهاماتها لإيران بخرق تعهّداتها النووية. كانت أطراف التفاوض الغربية تَعدّ هذَين البندَين، وخصوصاً الأوّل منهما، مجرّد غطاء عالي السقف من أجل تحصيل ما أمكن من مطالب دونه، وتحديداً إزالة العقوبات غير المرتبطة مباشرةً بالبرنامج النووي. لكنّ عودة المُفاوِض الإيراني، بعد تحصيله ما يريد وأزْيد، إلى التمسُّك بالمطلبَين المذكورَين، تثير الكثير من التساؤلات حول موقف طهران. وإذا كانت الأخيرة تدرك أنه يتعذّر على الإدارة الأميركية الحالية، ولو أرادت، إلزام الإدارة التي ستَخْلفها بعدم الانسحاب من الاتفاق؛ وأن مطلب التراجع عن الاتّهامات صعب تَحقُّقه للغاية، كونه يعني عملياً فتْح باب التشكيك في صدقيّة «الوكالة الدولية»، وتسليح إيران بسابقة يمكن أن تستخدمها في مرحلة ما بعد الاتفاق، فما الذي تريده «الجمهورية الإسلامية» إذاً؟
قد يكون هذا السؤال هو الأكثر حضوراً على طاولة التقدير سواءً في واشنطن أو تل أبيب، التي تكاد لا تنقطع جهودها من أجل الحيلولة دون إحياء الاتفاق. سؤالٌ تتفرّع منه أسئلة كثيرة مِن مِثل: هل بات اللااتفاق مطلباً إيرانياً من دون الإعلان عنه؟ وهل ترغب طهران في تحصيل مزيد من الوقت كي تقترب أكثر من القدرة على إنتاج السلاح النووي؟ وهل تراجَعت فاعلية الضغوط الأميركية إلى الحدّ الذي باتت معه إيران تُفاوض لأجل التفاوض؟ في محاولة الإجابة على تلك الأسئلة، يمكن إيراد التسلسل التالي، والذي أعقب الردّ الإيراني على المقترح الأوروبي:
أوّلاً: سارعت إسرائيل، إثر تسليم الطرفَين الإيراني والأميركي ردودهما، إلى الحديث عن حتميّة الاتفاق، وتَوقّع إبرامه خلال أيام وأسابيع قليلة، مع تركيز المسؤولين على إبراز مساوئه، وما ستجنيه إيران في المقابل من فوائد مالية منه. كذلك، بدأ السياسيّون يتراشقون الاتّهامات بالمسؤولية عمّا آلت إليه الأمور، بين مَن يحمّل «لابيد وزُمرته» المسؤولية عن عدم منْع «اتّفاق سيّئ»، ومَن يَعتبر أنه «لولا دفْع نتنياهو إلى الانسحاب من اتفاق 2015، لما وصلنا إلى اتّفاق أسوأ عام 2022». وبالإجمال، علا الصُراخ الجماعي بـ«أننا مقبلون على اتفاقٍ كارثة»، «لم يَعُد بالإمكان معه التعويل على الولايات المتحدة».

انقلب الموقف رأساً على عقب، بعد ان أعلنت واشنطن أن طهران تدْفع المفاوضات إلى الخلْف


ثانياً: اشتكت إسرائيل من أن الإدارة الأميركية لا تستمع لها، بل ترفض تلقّي اتّصال هاتفي من رئيس حكومتها (عاد وحصل مع تراجُع أرجحيّة الاتفاق)، مع التأكيد أن واشنطن اتّخذت قرارها، وأنها لا تتأثّر في ذلك لا بتل أبيب ولا بغيرها، ما يعني أن «على الدولة العبرية أن تُدافع عن نفسها بنفسها»، وهو ما يُعدّ محلّ تشكيك في الحدّ الأدنى.
ثالثاً: بدأت إسرائيل العمل على مرحلة ما بعد الاتّفاق، على مستويات عدّة: أوّلها محاولة تصعيب التنفيذ عبر آليات وأساليب أرادت أن تُشرك فيها أعضاء الكونغرس الرافضين للصفقة؛ وثانيها الاحتفاظ بحقها في المناورة واستهداف المنشآت النووية الإيرانية (على رغم تعذُّر ذلك عملياً)؛ وثالثها المطالبة بسلّة تعويضات عسكرية وأمنية من الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد التوقيع؛ ورابعها إبقاء الخيار العسكري الإسرائيلي ضدّ البرنامج النووي الإيراني موضوعاً على الطاولة.
رابعاً: انقلب الموقف رأساً على عقب، بعد ان أعلنت واشنطن أن طهران تدْفع المفاوضات إلى الخلْف، بفعل إصرار الأخيرة على مطالبها المتشدّدة. ومن هنا، تَحوّل التقدير في إسرائيل إلى الحديث عن أن توقيع الاتفاق قريباً بات احتمالاً ضعيفاً جدّاً، بل واعتبار أن «الإدارة الأميركية أخذت ملاحظاتنا في الحسبان» (على رغم تنبيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، يائير لابيد، أمس، إلى أنه من السابق لأوانه معرفة إن كُنّا نجحنا في كبح مساعي العودة إلى الصفقة النووية)، في محاولة للإيحاء بأن تل أبيب هي التي أثّرت في موقف واشنطن، فيما الواقع يقول إن الأمور مرهونة بيد طهران.
وأيّاً يكن، فإن ثمّة في إسرائيل مَن يدرك حدود قدرة الكيان على مواجهة البرنامج النووي الإيراني، وهامش مناوراته مقابل القرارات الأميركية، في ظلّ المتغيرات الإقليمية والدولية، والتي لا تتساوق ومصالح تل أبيب. وفي هذا الإطار، يرِد في تقدير لـ«مركز أبحاث الأمن القومي» ما يلي: «يجب أن نقارن وضعنا اليوم بلا اتّفاق نووي، مع وضعنا في المستقبل مع اتّفاق، حتى لو كان الأخير أقلّ فائدة بالنسبة إلينا من صفقة عام 2015. قمْنا في المركز بتحليل السيناريو الأوّل، وتوصّلنا باستمرار إلى النتيجة نفسها: تُحرز إيران تقدّماً كبيراً في برنامجها النووي، ما سيجعلها تصل إلى العتبة النووية التي تسمح لها بالوصول إلى سلاح نووي في فترة زمنية قصيرة. في غضون ذلك، من المهمّ أن نتذكّر أن النظام الإيراني يَعتبر الخيار العسكري النووي "بوليصة تأمين" لبقائه. لذلك، فإن الضغط الاقتصادي والتشغيلي، الذي يرى النظام أنه قد يعرّض استقراره للخطر، قد يدفعه إلى زيادة عزمه على تغيير استراتيجيته النووية، من قدرة نووية في اتّجاه قدرة نووية عسكرية. ومن هنا، فإن الطريقة الوحيدة الممكنة لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية، هي اتّفاق نووي، وفي نهايته أيضاً، اتّفاق نووي آخر».