عادت أجواء الحرب الأهلية في إثيوبيا إلى الواجهة مرّة أخرى، بعد خمسة أشهر فقط من الهدوء النسبي في جبهة إقليم تيغراي. وأدّى مقتل أربعة أفراد بينهم طفلان في قصف جوّي إثيوبي لعاصمة الإقليم (26 آب)، إلى تَجدُّد القتال (29 آب) بين قوّات الإقليم والقوّات الفيدرالية، انطلاقاً من مدينة كوبو الواقعة في إقليم الأمهرا جنوب تيغراي، والتي سقطت في يد الأولى، ما أنهى الهدنة الهشّة التي تمّ التوصّل إليها مطلع العام الجاري. وفيما تبادَل الجانبان الاتهامات بالمسؤولية عن الأحداث التي تسارعت بشكل ملحوظ أوائل أيلول الحالي مع دخول القوات الإريترية مجدّداً إلى الأراضي الإثيوبية لدعم قوّات حكومة آبي أحمد، سارعت واشنطن إلى إعلان إرسالها السفير مايك هامر، مبعوث الرئيس جو بايدن الخاص للقرن الأفريقي، نهاية الأسبوع الجاري، إلى أديس أبابا، لبذل جهود في مسار معالجة الأزمة.


تجدُّد الأزمة: الدوافع والحدود
تصاعَدت الأزمة الإنسانية في إقليم تيغراي، على خلفيّة أزمة أكبر عصفت بكلّ إثيوبيا وبقيّة أرجاء القرن الأفريقي، منذ بدء موجة الجفاف الأخيرة، في وقت تراجَع فيه مستوى الخدمات التي تُقدّمها حكومة الإقليم منذ اتّفاق وقف إطلاق النار مع الحكومة الفيدرالية في آذار 2022. واتّهمت أديس أبابا، في النصف الثاني من آب، حكومة تيغراي بسرقة وقود من «برنامج الغذاء العالمي»، محاوِلةً بذلك تبرير عزمها على إحكام الحصار الكامل على الإقليم «في أيّ وقت». وبالفعل، بدأت القوّات الفيدرالية، نهاية آب، شنّ عدد من الضربات الجوّية التي استهدفت إحداها روضة للأطفال في مقلي، عاصمة تيغراي. وقالت الحكومة، في بيان، إن قوّاتها تُدافع عن نفسها ضدّ هجمات «جبهة تحرير تيغراي» على الجانب الشرقي من إقليم الأمهرا، متّهِمةً «الجبهة» بمواصَلة استراتيجية اتّخاذ المدنيين دروعاً بشرية. وإذ أكدت الحكومة أنها «تُواجه الموقف الحالي بجاهزية»، فهي استدركت بأنها «لم تغلق الباب بعد على خيارات السلام»، داعيةً «المجتمع الدولي إلى بذل ما يمكن بذله للضغط على الجماعة المارقة من أجل تسوية سلمية للصراع».
ويبدو أن دوافع تَجدُّد الصراع تتنوّع ما بين رغبة نظام آبي أحمد في الاستفادة ممّا يَعتبره منجزات في سياساته الخارجية من أجل حسم الموقف في إقليم تيغراي، والقفز فوق الاستحقاقات السياسية الداخلية، وعلى رأسها استكمال الحوار الوطني وتحقيق المصالحة، فضلاً عن الأزمة المستحكِمة في إقليم أوروميا. أمّا حكومة إقليم تيغراي، فإنها تسعى للتذكير بصلابة جبهتها الداخلية على رغم الصعوبات الاقتصادية، وترى في الظروف الإقليمية (وربّما الدولية) فرصة ملائمة للضغط في اتّجاه تعزيز مواقفها التفاوضية، وضمان وضع الإقليم في أيّ عملية سياسية مستقبلاً، في ظلّ انعدام الثقة بنظام آبي أحمد. ولا يُتوقّع، في ضوء المؤشّرات الراهنة، وصول التصعيد العسكري بين الجانبَين إلى ما يقترب من الأزمة التي وقعت نهاية العام الماضي، لكن يُرجَّح أن تولّد هذه الجولة زخماً سياسياً أكبر، وجهوداً دولية للدفْع في اتّجاه التهدئة والانخراط في مفاوضات سياسية جادّة وبأجندة واضحة.

ازدحمت أجندة آبي أحمد، منذ آب الفائت، بمشكلات متعدّدة، منها مع دول الجوار مِن مِثل الصومال والسودان


رهانات إقليمية
ازدحمت أجندة آبي أحمد، منذ آب الفائت، بمشكلات متعدّدة، منها مع دول الجوار مِن مِثل الصومال والسودان؛ حيث تصاعَد حضور جماعة «الشباب المجاهدين» الصومالية داخل الأراضي الإثيوبية وتحديداً في الإقليم الصومالي، كما زاد التوتّر الديبلوماسي مع السودان على خلفيّة النزاع الحدودي بين البلدَين واتّهامات أديس أبابا للخرطوم بنقل السلاح إلى مقاتلي «جبهة تحرير تيغراي»، وتجاهُل آبي أحمد حضور اجتماعات مهمّة لمجموعة «إيغاد» في جوبا عاصمة جنوب السودان، كان مقرَّراً حضوره إيّاها جنباً إلى جنب عدد من قادة المنطقة وعلى رأسهم عبد الفتاح البرهان ويوري موسيفني وسيلفا كير، ما عنى ضمنياً رفض وساطة الأخير لتخفيف التوتّر بين إثيوبيا والسودان. كذلك، خرج آبي أحمد منتصراً من جولة جديدة من جولات أزمة «سدّ النهضة»، مع إكمال الملء الثالث «وفق الجدول المخطَّط»، من دون أيّ «تنازُل» من قِبَله في ما يتعلّق بإجراء مفاوضات مع مصر والسودان. وهكذا، بدت الظروف مثالية بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإثيوبي من أجل إعادة الكَرّة، ومحاولة كسر إرادة إقليم تيغراي عبر إحكام الحصار عليه، في ظلّ فشل الوساطة النيجيرية لتسوية الأزمة الداخلية، والذي أكده الرئيس النيجيري الأسبق، أوليسجن أوباسنجو، قبل نحو شهر، أمام مجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي، بعد اجتماعات مع آبي أحمد ونائبه ديميكي مكونن وأعضاء لجنة السلام التي كوَّنتها الحكومة الإثيوبية، حيث أعلن عدم حدوث اختراقات في المفاوضات منذ هدنة آذار.

إعادة ضبط بوصلة أديس أبابا؟
أعلنت الولايات المتحدة، في 2 أيلول، إدانتها استئناف الصراع في إثيوبيا على نحو يهدّد بتفاقم المجاعة وزعزعة استقرار إقليم القرن الأفريقي. كما دانت واشنطن دخول إريتريا مجدّداً إلى الأراضي الإثيوبية، ومواصَلة «جبهة تحرير تيغراي» هجومها خارج الإقليم، والضربات الجوّية التي شنّتها الحكومة الإثيوبية، مُجدِّدةً تأكيدها أنه «لا يوجد حلّ عسكري للأزمة». وبالنظر إلى طبيعة الدور الأميركي في القرن الأفريقي، وكوْن الولايات المتحدة المُوفِّر الأوّل للمساعدات لإثيوبيا، فإن مراقبين احتملوا أن تُقدّم واشنطن حوافز لعقد مفاوضات بين طرفَي الصراع، من بينها ما تَعِد به من استثمارات ضخمة مستقبلاً، من أجل إعادة بناء إثيوبيا، بينما راهن آخرون على قدرة الولايات المتحدة على الضغط على فاعلين إقليميين في الشأن الإثيوبي مِن مِثل مصر والسودان ودول خليجية، من أجل النأي بأنفسهم عن التدخُّل في الشأن الإثيوبي. وجاء الموقف الأميركي «المتوازن» (لناحية إدانة الأطراف كافة) بعد نحو شهر من اتّهامات أديس أبابا لواشنطن (والاتحاد الأوروبي) بـ«التهاون مع متمرّدي إقليم تيغراي»، على خلفيّة زيارات غير مسبوقة من مسؤولين أميركيين وأوروبيين إلى الإقليم مطلع آب الماضي. في المقابل، التزمت بكين الصمت، ولم تُبادر - حتى الآن - إلى الإعلان عن مواقف أو خطط للتعامل مع تجدُّد الأزمة في الإقليم، على الرغم من حرص مسؤولين إثيوبيين (4 أيلول) على تأكيد تمتُّع البلدَين بعلاقات تعاون اقتصادي استراتيجية وشاملة، وتطلُّع أديس أبابا إلى تنمية شراكتهما على قاعدة «الفوز للجميع»، فضلاً عن مواصَلة بكين لعب دور حيوي في التكامل الإقليمي عبر تنفيذ مشروعات بين دول القرن الأفريقي (لا سيما إثيوبيا وجيبوتي والصومال وإريتريا) مِن مِثل خطّ السكك الحديدية بين أديس أبابا وجيبوتي، ومشروعات المياه في جيبوتي.
وإذ يتوقّع مراقبون أن تُحجم أطراف إقليمية، خاصة الإمارات وإسرائيل، عن دعم نظام آبي أحمد في الجولة الحالية، إمّا تفادياً لمزيد من التصعيد الذي تُعارضه واشنطن، أو تخوّفاً من تمادي رئيس الوزراء الإثيوبي في سياساته الخارجية المتشدّدة، لا سيما في ملفّ «سدّ النهضة»، فإن استجابة بكين لم تأتِ على قدْر توقُّعات أديس أبابا حتى اللحظة، في ما قد يؤشّر إلى نوع من «المحاصصة» الاقتصادية والسياسية بين بكين وواشنطن في القرن الأفريقي، على خلفيّة تمدُّد الأنشطة الإرهابية من الصومال إلى إثيوبيا، وموجة المجاعة التي تُعدّ الأعنف منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، والصعوبات الاقتصادية المتفاقمة عالمياً وإقليمياً، إضافة إلى التغيير السياسي الكبير في كينيا بفوز وليام روتو في انتخابات الرئاسة قبل نحو شهر، وهو المعروف بمواقفه العدائية تجاه نفوذ الصين الاقتصادي في بلاده وفي بقيّة دول الإقليم. وتشي هذه المتغيّرات، مع ما يَرِد من أديس أبابا من مؤشّرات إلى التهدئة، بإمكانية انضباط سلوك آبي أحمد الإقليمي، في المرحلة المقبلة.