مع بداية عام إثيوبي جديد (11 أيلول)، دخلت البلاد في مرحلة من التهدئة الملحوظة، استهلّها آبي أحمد بخطاب تصالُحي وواقعي، ركّز على آفاق التغيير في بلاده ومسؤولية جميع الإثيوبيين عنه، وإنْ شدّد على حاجة البلاد إلى «شخص يكتب تاريخاً جديداً لها»، في إشارة إلى دوره المفصلي في المرحلة المقبلة. وفي المقابل، قبِلت «جبهة تحرير تيغراي»، في اليوم نفسه، الانخراط مجدّداً في محادثات سلام برعاية الاتحاد الأفريقي، يسبقها وقف فوري للأعمال العدائية، مُعلِنةً أنها شكّلت بالفعل فريقاً لخوض المفاوضات. وعلى رغم أن الحكومة الفيدرالية كانت أعلنت، قُبيل بيان «تحرير تيغراي»، أنها مستعدّة للانخراط في الوساطة الأفريقية «في أيّ وقت، وأيّ مكان»، إلّا أن قواتها سرعان ما عاودت، صباح الثلاثاء، شنّ غارة بطائرة مسيّرة على مقلي عاصمة الإقليم، ما ألقى شكوكاً على مستقبل الحوار المنتظَر.


الوساطة الأفريقية باقية
على رغم تمسُّك نظام آبي أحمد، طوال الفترة الماضية، بكوْن النزاع مع إقليم تيغراي «شأناً داخلياً»، إلّا أنه عاد وقَبِل وساطة الاتحاد الأفريقي، الذي عيّن الرئيس النيجيري الأسبق، أوليسجن أوباسانجو، مبعوثاً خاصاً للسلام في القرن الأفريقي، وواجه اتهامات من حكومة الإقليم بتَحيّزه إلى الحكومة الفيدرالية، ما دفع الأولى إلى إعلان ميْلها إلى الوساطتَين الكينية والأميركية، وهو الأمر الذي رفضته الثانية، مُتمسّكةً بالوساطة الأفريقية. ورحّب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فقي، وثيق الصلة بآبي أحمد ونظامه، بفرصة السلام المتجدّدة، حاثّاً، عقب عقْده اجتماعَين منفصلَين مع أوباسانجو ثمّ المبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي مايك هامر في أديس أبابا، الطرفَين على العمل «على وجه السرعة» على وقف فوري لإطلاق النار والانخراط في محادثات مباشرة. والظاهر أن قرار الاتحاد الأفريقي تمديد ولاية أوباسانجو (10 أيلول) قد جاء وسط ترتيبات دولية وإقليمية لإطلاق جولة تفاوُض جديدة، بعد طمْأنة حكومة تيغراي إلى أداء المبعوث الأفريقي، ووجود مظلّة أميركية حاكمة لوساطته.

عودة أميركية
أنبأ البيان الإماراتي الصادر في مجلس الأمن قبل أكثر من شهر، بخصوص سدّ النهضة، بتبنّي أبو ظبي رؤية نظام آبي أحمد لأحد أكثر الملفّات حساسية بالنسبة إلى مصر. ومع اندلاع التوتّر الأخير في إقليم تيغراي، تواتَرت الأنباء عن بدء الإمارات بإقامة «جسر عسكري» ثانٍ لدعم حكومة آديس أبابا. لكن التطورّات الميدانية اللاحقة، بما حملته من تراجُع في وتيرتها، عادت ووشت بأن ثمّة تجميداً لهذا المسار، في وقت سرت فيه معلومات عن توجُّه مصري لمحاولة إقناع الإمارات بتعديل وجهة نظرها بخصوص ملفّ السدّ. من جهتها، بادرت تركيا، الشريك التجاري الثالث عالمياً لإثيوبيا، إلى الترحيب الفوري ببيان حكومة إقليم تيغراي الأخير، مُجدِّدةً دعوتها إلى الانخراط في الحوار، علماً أنه لا مؤشّرات إلى الآن إلى انطلاق عمليات «درونز» تركيّة الصنع من قاعدتها الأساسية في مدينة بحر دار الإثيوبية. وبينما تستغلّ تركيا وضعها في حلف «الناتو» لإطالة ذراعها العسكري في مناطقِ نزاع مِن مِثل إثيوبيا، فإن الأسابيع الماضية شهدت تحرّكاً من قِبَل بعض المشرّعين الأميركيين، لتحجيم حصول أنقرة على مكوّنات رئيسة من المُصنّعين الغربيين، وهو ما يجيز تَوقّع تفادي الأخيرة مزيداً من التصعيد في الملفّ الإثيوبي الذي تسعى واشنطن لإثبات جدارتها في إدارته. وهكذا، يبدو أن أنقرة وأبو ظبي تريدان، لأسباب مختلفة، كبْح جماح آبي أحمد، والضغط عليه في اتّجاه الانخراط في «عملية السلام»، فيما يَبرز انخراط الولايات المتحدة بشكل ملحوظ في الشأن الإثيوبي تحسُّباً لاحتمال دخول أطراف إضافية غير مرغوبة على خطّه. وتُنبئ العودة الأميركية إلى إقليم القرن الأفريقي سياسياً وعسكرياً، إلى جانب حضور «الرافعة التنموية» التي تفوق ما يقدّمه بقيّة المانحين الدوليين، باستعادة واشنطن تأثيرها على نظام أديس أبابا، مرحلياً، من بوّابة الاتحاد الأفريقي. وتَنشط الولايات المتحدة، حالياً، في حشْد شركائها الغربيين خلْف سياساتها في إثيوبيا، التي سيكون عليها تحسين صورتها لدى المموّلين الدوليين، والمُضيّ قُدُماً في عملية السلام لإتمام حصول أديس أبابا على قرض من «صندوق النقد الدولي» الذي تَوقّع استقرار معدّل نموّ الاقتصاد الإثيوبي عند 3.8%
فقط في عام 2021-2022، «بسبب الحرب والتراجع الحادّ في تمويل المانحين» (وفي مقدّمتهم دول خليجية).

تحدّيات وساطات الجيران
على رغم رفض إثيوبيا جميع مبادرات جنوب السودان والسودان للتوسّط في النزاع في إقليم «تيغراي»، إلّا أن التطوّرات الجارية ستفرض تنسيقاً إقليمياً خلال مراحل التفاوض أو ما بعدها، على الأقلّ لتنسيق عمليات ضبط الحدود وتوصيل المساعدات الإنسانية والتعاون في مواجهة تهديدات طارئة مِن مِثل تَمدّد الأنشطة الإرهابية داخل الأراضي الإثيوبية.

التطوّرات الجارية ستفرض تنسيقاً إقليمياً خلال مراحل التفاوض أو ما بعدها

ويتشارك السودان وجنوب السودان مع إثيوبيا في الحدود الأكثر عُرضة للتوتّر، سواءً في إقليم تيغراي أو أقاليم أخرى غربي إثيوبيا، وقد ظلّ الجانب السوداني تحديداً فاعلاً مهمّاً في احتواء تداعيات أزمة تيغراي الإنسانية. أمّا كينيا، فتتبنّى سياسة التعاون الاقتصادي الإقليمي، وترى في إثيوبيا شريكاً اقتصادياً مهمّاً بحُكم علاقات الجوار والملفّات المشتركة بينهما، وترقُّب الأولى إمدادات الكهرباء الإثيوبية بعد التشغيل الكامل لسدّ النهضة. وتبدو كينيا مؤهّلة للَعب دور في تسوية أزمة تيغراي، كونها شريكاً في أكثر من منظّمة إقليمية وإقليمية فرعية، ومقبولة من قادة الإقليم، وتتمتّع بعلاقات وثيقة مع واشنطن، وتُشارك الأخيرة مخاوفها من تمدّد النفوذ الصيني في المنطقة. لكن تَوتّر علاقات إثيوبيا مع الصومال والسودان ووصولها إلى مستويات العداء الصريح والعمل العسكري القابل للتصعيد إلى نزاع مفتوح، ومقاربتها الحذرة إزاء كينيا، قد يكون من شأنهما عرقلة إمكانية إسهام هذه الدول في إرساء الاستقرار في الدولة الجارة.

خلاصة
مثّلت الضربة الجوّية الأخيرة التي نفّذتها القوات الفيدرالية في مقلي، عاصمة إقليم تيغراي، تطوّراً مفاجئاً وسط حالة التفاؤل بإطلاق عملية السلام في إثيوبيا. ويكشف التجاهل الأميركي - حتى اللحظة - للحادث قدْراً من سياسة النفَس الطويل، والرغبة في البناء على تفاهمات أميركية وأوروبية تمّت مع قيادات «جبهة تحرير تيجراي». وفي ظلّ الرفض الأميركي، الحاسم هذه المرّة، لعودة القوات الإريترية إلى التدخّل في النزاع الإثيوبي، يبدو أن الأدوار الإقليمية المساعِدة ستكتسب أهمية كبيرة، سواءً من جهة تقديم «غطاء» (الاتحاد الأفريقي) لتحرّكات واشنطن، أو رفد أيّ ترتيبات يتمّ التوصّل إليها بدعم لوجيستي فعّال.