للمرة الثانية خلال 4 أشهر، زارت المستشارة الألمانية أنغيلا مركل تركيا لتبحث مع الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داوُد أوغلو موضوع اللاجئين الذين "تصدّرهم" تركيا إلى الجزر اليونانية، عبر بحر إيجة، لينطلقوا منها إلى سائر الدول الأوروبية، وخاصة ألمانيا. وتحولت الأخيرة فجأة إلى حليف لتركيا، بعد أن كانت المعترض الأول والأصعب على انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

رحّبت ألمانيا بإلغاء تأشيرة الدخول (شنغن) بالنسبة إلى المواطنين الأتراك، اعتباراً من تشرين الأول القادم، كذلك هي تجاهلت، ومعها سائر عواصم الاتحاد، الحملة التي يشنّها الجيش التركي ضد الأكراد في جنوبي شرقي البلاد، والتي هجّرت حوالى 300 ألف من سكان المنطقة. وجاءت هذه الإيجابية المستجدة كنتاج لموجة اللجوء هذه، حيث تقدّر المصادر المختلفة عدد اللاجئين الذين انطلقوا من السواحل التركية إلى الجزر اليونانية منذ صيف 2014 بحوالى مليون لاجئ، ربحت منهم العصابات 5 مليارات دولار، بعيداً عن أي رقابة أو ملاحقة أمنية تركية. فقد ركب اللاجئون القوارب المطاطية والخشبية القديمة، وانطلقوا من المدن الساحلية التركية، بتسهيل من قوات الأمن، ليتحولوا إلى ورقة مساومة رابحة، مالياً وسياسياً، بالنسبة إلى أنقرة. فقد وعد الاتحاد الأوروبي تركيا بمساعدات مالية بقيمة 3 مليارات يورو، مقابل اتخاذ الأخيرة الإجراءات اللازمة للحدّ من تدفق اللاجئين الذين لقي حوالى 450 منهم حتفهم غرقاً في مياه بحر إيجة، منهم 24 قبل هبوط طائرة ميركل في أنقرة.

عملت أنقرة على كسب غالبية اللاجئين إلى جانب المعارضة

واستخدمت الأخيرة اللاجئين كورقة ضغط "لإقناع" العواصم الغربية بضرورة إقامة حزام أمني داخل الأراضي السورية، ليقيم فيها اللاجئون بحماية دولية؛ والمقصود بذلك فرض حظر جوي على المناطق الشمالية من سوريا، حيث توجد الجماعات الإرهابية الموالية لتركيا، منذ انفجار الصراع في سوريا. والجدير ذكره أن تركيا أقامت مخيمات للاجئين في أواسط أيار 2011، أي قبل اندلاع الاشتباكات، وهي أسّست ما يسمى الجيش السوري الحر في مدينة أنطاكيا، ليقوم بأول عملية إرهابية في جسر الشغور، في 9 حزيران من العام نفسه. وتتالت بعد ذلك موجات اللاجئين من المدن التي سيطرت عليها الجماعات الإرهابية، إلى المناطق على طول الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا. ووصل عدد اللاجئين نهاية العام الماضي إلى 2.5 مليون، بحسب تصريحات نائب رئيس الوزراء التركي، يالتشين اكدوغان، الذي قال إن من بين هؤلاء 21 ألف تركماني، مكذّباً بذلك تصريحات المسؤولين الأتراك الرفيعي المستوى، الذين تحدثوا مراراً عن مئات الآلاف من هؤلاء، زاعمين أنهم "هربوا من ظلم الأسد"، في محاولة لتسويق فكرة أن الرئيس السوري بشار الأسد ظالم وقاتل. والحقيقة أن غالبية اللاجئين هربوا من إرهاب الجماعات المسلحة واقتتالها في ما بينها، وخاصة جبهة النصرة وداعش، ليُجبَروا على اللجوء إلى تركيا التي قدمت وتقدم لهم كافة التسهيلات والخدمات من أجل الاستفادة منهم في مجالات مختلفة، منها المساومة مع الغرب، فضلاً عن استخدامهم ضد النظام السوري، الآن أو لاحقاً. فقد نجحت الجماعات الإرهابية، بالتنسيق مع أنقرة، في تنظيم العديد من اللاجئين، خاصة التركمان، في مجموعات مسلحة أو غير مسلحة (أمنية)، تحت ستار سلسلة من مؤسسات وجمعيات الخدمات الاجتماعية، والتي تدير المدارس والمستشفيات، بهدف كسب غالبية اللاجئين إلى جانب المعارضة، تمهيداً لمرحلة الحل السياسي والانتخابات في سوريا.
وتبقى التكلفة المالية لدعم اللاجئين الموضوع الأكثر نقاشاً بالنسبة إلى المسؤولين الأتراك، الذين اختلفوا في ما بينهم حول هذا الموضوع. فمنهم من قدّر التكلفة بـ5 مليارات دولار، ومنهم من قدّرها بـ7 أو 9 مليارات، فيما وضعها أردوغان أخيراً عند 10 مليارات، وذلك من دون أن يعترف أيّ مسؤول تركي بأن غالبية السوريين جاؤوا وأقاموا بإمكانياتهم الذاتية، في حين سكن حوالى 300 ألف منهم فقط في مخيمات اللاجئين، ومعظم هؤلاء من عائلات الذين يقاتلون في سوريا. وبيّنت غرفة تجارة إسطنبول أن السوريين كانوا في مقدمة الأجانب الذين أسّسوا شركات تجارية خلال عامَي 2014 و2015، في وقت يعرف فيه الجميع أن غالبية السوريين الموجودين في تركيا قد فتحوا محال تجارية مختلفة، وأن منهم من بنى المصانع وأسّس شركات تجارية كبرى. وتقدّر الدراسات المختلفة أن ما حمله السوريون معهم إلى تركيا لا تقل قيمته عن 5 مليارات دولار، ساهمت في إنعاش الاقتصاد التركي، وخاصة في المدن الجنوبية، مثل غازي عنتاب وماراش ومرسين، فضلاً عن أن الأيدي العاملة السورية الرخيصة حققت بدورها أرباحاً إضافية للتجارة والزراعة والصناعة التركية.