يستكمل ناشطو حراك «نوي دوبو» (الوقوف ليلاً) تظاهراتهم في مدن فرنسية عدة، احتجاجاً على تعديلات قانون العمل. وعلى مدى الأيام الماضية، تحولت ساحة الجمهورية في باريس، حيث انطلق الحراك، إلى ما يشبه «المدينة اليونانية» القديمة: ساحة حوار مفتوحة طوال الليل، ومساحةٌ حرّة لتبادل الآراء.
استهلت حركة «نوي دوبو» نشاطها الأول في 31 آذار، حين بقي المشاركون، من فئات مختلفة، طلابية ونقابية، طوال الليل في ساحة الجمهورية، وتكررت حلقات الحوار المفتوحة لعدة أيام. ورغم الطابع السلمي للنشاط، لكن لم تمرّ الوقفات التي نظمت أول من أمس، من دون وقوع أعمال عنف بين الشرطة والمحتجين، الذين اعتُقل بعض منهم.
أما الطابع العام للحراك، الذي بدأ احتجاجاً على تعديلات قانون العمل المثيرة للجدل، فشبّهته صحيفة «لوموند» الفرنسية بالحراك الإسباني في عام 2011، والحراك اليوناني عام 2013. ويقول أحد المشاركين للصحيفة: «أخيراً، حصل مثل هذا الحراك هنا رغم أنه اتخذ وقتاً. أسبابٌ كثيرة دفعت إلى هذه الحركة الاحتجاجية، أولها أننا اكتفينا من فرانسوا هولاند بعد خمس سنوات». والتقت «لوموند» أيضاً بمجموعة تعمل على «كتابة دستور»، يقول أحدهم: «نتدرب على كتابة دستور لأننا ببساطة نريد أن نتأكد أننا نجيد ذلك». فيما يشرح مشارك آخر: «الناس هنا يتبادلون الأفكار والمواقف، نحاول أن نتخيل السبل الأفضل لنشر القدرات في المجتمع، وكيفية ضمان ذلك في الدستور».

تشبه صحف فرنسية الحراك بما جرى سابقاً في إسبانيا واليونان

إذاً، تحوّل الحراك الذي بدأ ردَّ فعل على التعديلات المقترحة لقانون العمل، إلى مناقشة قضايا أوسع، وفق تقرير في موقع «ميديابار» الفرنسي، أبرزها شعور الإحباط من الطبقة السياسية والأحزاب السياسية. ويوضح التقرير أنّ جوهر الحراك يتعدى موقفاً مناهضاً أو مناصراً لقانون العمل المفترض، إنما يدخل في صلب «امتيازات السلطة التشريعية، حقها في التشريع، وتأثير هذه التشريعات على حياة الناس». وقد تلخص لافتةٌ رُفعت في الساحة هذا الأمر، كُتب عليها: «إن أحلامنا لا تتناسب وصناديق الاقتراع».
ويرى تقرير «ميديابار» أن «نوي دوبو» هو تعبيرٌ عن حراك اجتماعي فريد، يظهر إخفاق الأشكال القديمة للسلطة، ويخلق مساحة وشكلاً لأسلوب جديد من عمليات التداول الديموقراطي. ويكمل التقرير أن الحراك بالنتيجة «ليس استكمالاً لحالة اليسار التقليدية، بل هو عبارة عن تجديد في الإنصات والاستماع».
في الساحة، يردد البعض أن «اليسار قد مات»، وفق صحيفة «لوموند» التي نقلت عن أحد المشاركين قوله إن «الاشتراكيين توفوا وسنقوم بدفنهم قريباً. هولاند، فالس، ماكران، صارا محط اشمئزاز الجميع». وتضيف مشاركةٌ أخرى: «نحن لا ننتظر شيئاً من هذه الرئاسة، لذا سنقوم بالأمور بأنفسنا».
ويشرح تقرير «ميديابار» أنّ هذا الحراك لا يأتي في سياق «حملةٍ انتخابية، أي تقوية طرفٍ سياسي ضدّ آخر»، موضحاً أن هذا الحراك «يكتفي بنفسه، بما يقول ويتصرف». ويشير التقرير إلى «نهاية اليسار التقليدي في البلاد»، ما قد يرسم الصورةَ العامة التي أطلقها هذا الحراك، وهي: «من جهة، طبقة سياسية تلفظ أنفاسها الأخيرة، غائبة، ميتة، همها الوحيد إعادة انتخابها وبقاؤها. ومن جهةٍ ثانية، مواطنون تواقون إلى النقاش والحوار والديموقراطية».
لكن، يبدو أنّ التوجه الذي سارت به الحركات الشبابية في «نوي دوبو» خلق تناقضاً في الأهداف بينها وبين النقابات التي تركز على أنّ الجوهر الأساسي لهذه الاحتجاجات هو قانون العمل. ويقول مسؤول «الكونفدرالية العامة للعمل»، فيليب مارتينيز، لموقع «ميديابار»، إن «دورنا هو التوصل إلى سحب قانون العمل، والنضال من أجل ديموقراطية أفضل في المؤسسات، وذلك عبر استكمال التظاهر ومساءلة النواب»، مضيفاً أن «ما تقوم به نوي دوبو، أي المطالبة ببديل سياسي، هو أمرٌ نحترمه ويهمنا، لكنه يتخطى مهمتنا التي تتلخص بالدفاع عن التوظيف في مجتمعنا».
من جهةٍ ثانية، ينتقد رئيس الوزراء الفرنسي (اليمين) الأسبق، فرانسوا فيللون، الحراك، ويقول في خلال مقابلةٍ مع وسائل إعلام فرنسية، إنه يتفهم «غضب اليسار على سياسة فرانسوا هولاند، لكنني مصدوم كيف أننا من جهة نفرض حالة الطوارئ، ولكن في المقابل نسمح بمثل هذا النوع من التجمعات».
هذا الحراك الذي بدأ في باريس، وينتقل الآن إلى مدنٍ أخرى في فرنسا، لا مستقبل واضحاً له بعد. أسئلةٌ كثيرة دون جواب تحيط به، خصوصاً حول ما إذا كان سيتحول إلى حالةٍ سياسية، على غرار «بوديموس» الإسباني، أم أنه سينتهي مع تحقيق المطالبات بشأن قانون العمل.