لم يعد ثمة ما يحرج الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في إعادة العلاقات التركية ــ الإسرائيلية إلى سابق عهدها، برغم أن إسرائيل لم تحقق أياً من الشروط التركية غداة «تمثيلية الدقيقة الواحدة» في دافوس. كل المعطيات تشير إلى تراجع الصراع مع إسرائيل إلى المرتبة الثانية أو الثالثة في سلّم أولويات الأمن القومي لدول المنطقة، مع تصاعد وتيرة الـ«إيرانفوبيا» في الخليج والـ«داعشفوبيا» في الدول الأخرى، ما أدى إلى حشر القضية الفلسطينية في إطار إنساني بحت، أفرغها من مضمونها القومي، برغم تبني شعوب دول بعيدة لها (كما في أميركا اللاتينية)، مقابل انشغال الدول العربية والإسلامية في مواجهة «المد الشيعي» تارة، و«الإرهاب» في معظم الأحيان.
وسط هذه المستجدات، يستند سيد «الإخوان»، «السلطان أردوغان»، إلى الإرث البراغماتي للسياسة التركية؛ فبعدما قّلده، في بدايات عهده، مؤتمر المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى «وسام الشجاعة»، ونال مؤخراً الدكتوراه الفخرية من جامعة القديس إينياس دي لويولا، مؤسس الرهبنة اليسوعية التابعة للكنيسة الكاثوليكية، عقب أيام من الاستقبال الحار لرئيس وزرائه، أحمد داوود أوغلو، في الحرم المكي، ها هو يعود للتذكير بأن «تركيا بحاجة إلى إسرائيل»، والعكس بالعكس. بل إنه يدعو إلى المضي في تطبيع العلاقات بين البلدين.
من أجل ذلك، استنجد وريث العثمانية باللجنة اليهودية نفسها. فبعد التسريبات الإسرائيلية في منتصف كانون الأول الماضي، حول التوصل إلى تفاهم لتطبيع العلاقات بين البلدين جراء مفاوضات سرية جرت في سويسرا، يزور وفد من المؤتمر اليهودي المذكور تركيا، ويحل رئيسَا أكبر منظمتين يهوديتين في المؤتمر ضيفين على أردوغان، بعد لقائهما رئيس وزرائه، ليناقشوا الخطوات الواجب اتخاذها «لإعادة تطبيع العلاقات التركية ــ الإسرائيلية، وتعزيز العلاقات بين المؤتمر والدول العربية والمجتمعات الإسلامية، ومكافحة معاداة السامية»، وفق صحيفة «جمهورييت» التركية.

ترتفع الأصوات داخل الحزب الحاكم منتقدة الديكتاتور

جملة من العوامل حثت «السلطان» على المضي قدماً في طريق التطبيع في هذا التوقيت، في مقدمها مأزقه السياسي نتيجة لعدة خطوات منه، وصفها معارضوه بـ«الحماقات». فإسقاط الطائرة الحربية الروسية وتداعيات ذلك أجبرت الروس على التخلي عن سياسة الاستيعاب، ودفعتهم نحو مزيد من الانخراط في الصراع السوري؛ انخراطٌ زاد الضغوط السياسية الدولية على الحكومة التركية، ولجَم قدرة استخباراتها على تأمين الدعم اللوجستي لمجموعات الشمال السوري، عبر قصف مستودعاتها المحاذية للحدود السورية ــ التركية، إضافة إلى قصف قوافل العديد والعتاد الذاهب إلى المتمردين في سوريا، وقوافل النفط السوري المنهوب.
لم تنحسر الأحلام العثمانية في حلب السورية فقط، برغم ترداد اسم المدينة في معظم خطابات وتصريحات السلطان ورئيس وزرائه، الذي قال الثلاثاء الماضي، إن «حلب، التي تُعَد جزءا من حضارتنا على مدار مئات السنين، تحترق والعالم يتفرج»، وفقاً لصحيفة «ميلييت» التركية. والموصل العراقية أيضاً لها مكانتها في الأدبيات العثمانية والوجدان الأردوغاني، وهو ما تبلور بإرسال الجنود الأتراك إلى الموصل، ما أدى إلى ازدياد وتيرة تدهور العلاقات العراقية ــ التركية، وإحداث أزمة دولية وصلت أصداؤها إلى مجلس الأمن، ثم طلب الرئيس الأميركي من نظيره التركي سحب قواته، درءاً للاحراج، مع استمرار العراق في تهديد الأتراك والتوعد بـ«مقاومة الغزو التركي بعد تحرير الموصل»، كما نقلت «حرييت» عن عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، فالح الحزلي.
وتعوّل الحكومة التركية في الشمال العراقي على الحليف الكردي المدعوم من الإسرائيليين، مسعود برزاني، الذي يؤمّن الغطاء السياسي للوجود التركي في الموصل، كما يزوّد الإقليم الذي يرأسه، تركيا، بالنفط بسعر أرخص بـ35% من الأسواق العالمية، وفق تحقيق للصحافي أوغوز كاراموك، في جريدة «الميدان» التركية.
في زحمة كل هذه الملفات، يبقى الملف الكردي المصدر الأكبر للقلق، والرقم الأصعب في سلسلة المعادلات المعقدة للسلطان. فالانتخابات الأخيرة، التي جاءت كضوء أخضر لسياسات الجناح التركي لـ«الإخوان المسلمين» وأثبتت رضى المجتمع التركي عن خطوات زعيمه، أعطت في الوقت نفسه الأكراد النفوذ الأكبر لهم في الحياة السياسية التركية، بعد تجاوز حزب «الشعوب الديموقراطي» عتبة 10% المفروضة لدخول البرلمان.
وأخبار «شهداء الجيش والجندرمة والشرطة» التركية في المناطق الكردية شرق وجنوب شرق البلاد تتصدر صفحات الصحف الرئيسية، وحواجز الانفصاليين الأتراك على الطرق الرئيسية، وكمائنهم المسلحة والمفخخة، لم تتوقف أمام الحملة العسكرية التي تشنها أنقرة في محاولة لإعادة هذه الولايات وسكانها إلى بيت الطاعة، مع الانتهاكات التي يرتكبها الجنود الأتراك مستغلين التعتيم الإعلامي المفروض على الصحافيين الأتراك، الذين خلت وسائل إعلامهم من أي خبر آخر غير بيانات الأركان التركية وصور جنازات عناصرها، برغم اتهامات رئيس «الشعوب الديموقراطي»، صلاح الدين دميرطاش، حكومة «العدالة والتنمية» بتنفيذ مجزرة جماعية «بقتل نحو 90 مدنياً كانوا يختبئون في قبو»، في محاولة للاحتماء من الاشتباكات.
القلق من الدور الكردي المتعاظم في المنطقة، والمقبول من القطبين الرئيسيين، روسيا والولايات المتحدة، بدا جلياً في التصريحات المتقابلة لكل من الحكومة التركية و«الحلفاء الأميركيين»، التي أظهرت الاختلاف التام في وجهات النظر في ما يتعلق باعتبار تركيا حزب «العمال الكردستاني» في تركيا، والمجموعات الكردية الموالية له في سوريا، منظمة إرهابية، مقابل تشديد الولايات المتحدة على كونها قوات حليفة في محاربة الإرهاب المتمثل بتنظيم «داعش»، وذلك بالتزامن مع استقبال موسكو الزعيم الكردي، دميرطاش، وحديث وسائل إعلام روسية عن احتمال فتح مكتب تمثيلي للأكراد في العاصمة. كل ذلك جرى قبل أن تسرّب وكالة «فارس» الإيرانية خبراً عن إرسال الحكومة السورية طائرتين محملتين بالعتاد والذخيرة إلى المقاتلين الأكراد، عبر مطار القامشلي، لدعم معركتهم ضد «داعش» في مدينة الشدادة في الجزيرة السورية.
ومع انكسار متشددي ريف اللاذقية الشمالي، الموالين للأتراك، وانسحابهم الى الداخل التركي تحت وطأة هجوم الجيش السوري والقوات الحليفة، بمؤازرة سلاح الجو الروسي، ومع انحسار المجموعات المسلحة الموالية لتركيا في مدينة حلب وريفها، وتكبدها الخسائر المتتالية، وأيضاً مع فرض الأكراد أنفسهم كقوة أمر واقع على الحدود، وارتفاع الأصوات داخل الحزب الحاكم نفسه، منتقدة ديكتاتورية أردوغان، وأبرزها من النائب السابق لرئيس «العدالة والتنمية»، حسين تشيليك، الذي كتب في مدونته، «أتحدث من الخارج لأنه لم يعد بالإمكان الحديث عن شيء في داخل الحزب مع المجموعة الصغيرة (المهيمنة)»، مستخدما عبارات سبقه فيها نائب رئيس الوزراء السابق، بولنت أرينتش... لم يبق في يد السلطان سوى اللاجئين السوريين كورقة للضغط على أوروبا للحصول على مكاسب مادية والخروج من الحصار السياسي.
هذه ورقة أجاد أردوغان الاستفادة منها لأقصى الدرجات، فقد أجبر المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، على الهرع إلى تركيا مرتين في أقل من أربعة أشهر، «برغم أنها تكره أردوغان»، وفق صحيفة «دير شبيغل» الألمانية. وأخفت هذه الورقة عورة الانتهاكات اليومية للسلطات التركية بحق الأقليات والصحافيين والمعارضين عن المستشارة الألمانية.
وتشهد أوروبا أكبر موجة لجوء في تاريخها المعاصر، ويمثل السوريون 45% من نسبة الذين يصلون السواحل الأوربية انطلاقاً من الشواطئ التركية، وهي تحاول إقناع الجار المكروه بضرورة إيقاف هذه الموجات، والضغط على شبكات تهريب الأشخاص النشطة في مدن الساحل الغربي، أمام أعين الاستخبارات التركية، مقابل منح تركيا بضعة مليارات يورو، وإدخال المواطنين الأتراك في نطاق الـ«شينغن».




أردوغان يجيد استخدام اللاجئين ورقة ابتزاز لأوروبا

بيّن ما تسرّب إلى الإعلام من تفاصيل النقاش الحاد بين أردوغان، ورئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، ورئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، حول مسألة اللاجئين، على هامش قمة دول العشرين في مدينة أنطاليا، أواخر العام الماضي، حجم الابتزاز الذي مارسه الرئيس التركي مع الدول الأوروبية. فقد هدد بإغراق القارة العجوز بمئات الآلاف منهم، في حال عدم المضي قدماً في محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، علماً بأن تركيا «نصبت الخيام على الحدود مع سوريا قبل أن يكون هناك لاجئ سوري واحد»، وفق تصريح مستشارة الرئيس السوري، بثينة شعبان. وهي البراغماتية الأردوغانية التي نجحت في تحويل مأساة ملايين السوريين المشردين إلى حساب بنكي بدأت إيداعاته بثلاثة مليارات يورو، وعقد تجاري يخول «الفاتح» الوصول إلى أبواب النمسا في القرن الحادي والعشرين.