بعد كل استحقاق انتخابي، يخرج المرشح الجمهوري دونالد ترامب من الحدث صانعاً لحدث آخر. عند انتصاره وحتى في خسارته، يقتحم المنصات ليقول للشعب الأميركي أي شيء، يطرح ما يخطر في باله من أفكار، على مثال أن الترشح للرئاسة "أمر صعب، سيئ، خبيث... ولكن عندما تربح هو أمر جميل". كلام قد لا يتمكن الكثير من السياسيين التقليديين من استيعابه، ولكنه بالنسبة إلى المواطن الأميركي بسيط لدرجة أنه "خارج عن النظام"، أما بالنسبة إلى الإعلام، فهو معضلة استحقت منهم التفاتة واضحة إلى السبب وراء شعبية ترامب.

الترقّب الذي طالما رافق كل عملية انتخابية منذ بدء تمهيديات الانتخابات الرئاسية، تحوّل بمجرّد خروج نتائج انتخابات ولاية كارولينا الجنوبية، السبت، إلى استهجان من البعض، وبداية للنظر في حلول جدية لإيقاف اندفاعة المرشح "الدخيل" كما سمّاه هؤلاء. فاقتراب موعد انتخابات "الثلاثاء الكبير" في الأول من آذار ــ التي تجري في 12 ولاية أميركية ــ فرض واقعاً مختلفاً، لما تحمله هذه المحطة من خطوة فاصلة في تحديد هوية المرشح للحزبين.
ترامب محصّن جيداً، الاستطلاعات ونتائج الانتخابات في الولايات السابقة تظهر ذلك، على الرغم من حلوله في المرتبة الثانية في ولاية آيوا. أمر دفع عدداً من المراقبين إلى دق ناقوس الخطر، والإيعاز إلى من يمكنهم تغيير هذا الواقع أن يقوموا بمحاولات اللحظات الحرجة قبل وقوع المحظور. البعض ذهب في اتجاه البحث عن بديل، وهنا دخل ماركو ربيو إلى المشهد الانتخابي، ذلك أن مؤسسة الحزب الجمهوري أكثر تحبيذاً لهذا المرشح، وهي تنظر إليه على أنه أكثر اعتدالاً من غيره. ولكن على الرغم من حلوله في المرتبة الثانية بعد ترامب في انتخابات كارولينا الجنوبية، تبقى الوقائع أكثر دلالة على ضعف موقفه وقلّة حظوظه في الاستمرار، وهو ما أشار إليه جاكوب هاليبرن في مجلة "ذي ناشيونال انترست"، معتبراً أن كارولينا الجنوبية هي مقبرة الجمهوريين.
كغيره من الباحثين عن منقذ من "قدر ترامب"، راقب كافة الخيارات، ولكن خلال تمحيصه الكثير من الحقائق، وقع على حقيقة مهمة، وهي أنه حتى بدعم حاكمة ساوث كارولينا نيكي هالاي لم يتمكن روبيو من ردم الهوة بينه وبين ترامب، الذي سبقه بفارق 10 نقاط مئوية، الأمر الذي يعطي منتقديه زخماً قوياً، خصوصاً أن تيد كروز حل بعده مباشرة بفارق نقطتين فقط.

رغم حلوله ثانياً بعد ترامب في كارولينا الجنوبية تبقى الوقائع أكثر دلالة على ضعف روبيو

بناءً عليه، يتكفل الوقت بترسيخ فكرة أنه لا يمكن أي جمهوري أن يوقف ترامب، وهو ما وضع عدداً من المهتمين أمام خلاصة مفادها أن الفوز الساحق لترامب يُعَدّ كابوساً بالنسبة إلى الحزب الجمهوري، ذلك أن انتصاره في كارولينا الجنوبية السبت يعني أن بإمكانه أن ينجح في أي مكان آخر. وأبرز مثال على ذلك، أن ترامب استبق انتخابات السبت بتصريحات حامية طاولت مختلف الأطراف: تشاحن مع البابا فرانسيس، انتقد شركة "آبل"، اتهم تيد كروز بالكذب والنفاق، وأيضاً هاجم جورج بوش الابن في ما يتعلق بسياسته الخارجية، ولم يعرف كيف يبرر موقفه السابق من حرب العراق التي كان من مؤيديها، والتي قال إنه تغيّر، هو أيضاً هاجم بوش بناءً على هجمات 11 أيلول. بعد كل ذلك، فاز في ساوث كارولينا التي تُعَدّ من أبرز الولايات المؤيدة لعائلة بوش، وأخرج جيب بوش من السباق.
ولكن لماذا لا يحوز ترامب التقدير والتغطية التي يستحقها؟ تساءل كريس سيليزا في "ذي واشنطن بوس"، مجيباً بأن "هناك اعتقاداً ضمن مؤسسة الحزب الجمهوري، وأيضاً لدى وسائل الإعلام بأنه سوف ينهار بأي شكل وأن الناخبين سيصحون ويدركون الحقيقة". المشكلة في هذه النظرية، وفق الكاتب والوقائع، هي أن ترامب قام بأشياء كثيرة يمكن وصفها بـ"الحماقات"، وكل ذلك لم يؤثر فيه. الكاتب نفسه لفت إلى أن ترامب بقوله أي شيء، يُظهر لداعميه مدى "استقلاله" عن النظام. وإن عوّل سيليزا على "مؤسسة الحزب التي ستجد طريقة لإيقاف ترامب"، ولكنه عقّب على هذه الفكرة بالقول: "لو يمكن المؤسسة إيقاف ترامب، لقامت بذلك منذ زمن طويل".
برايان بوتلار في مجلة "ذي نيو ريبابلك" وضع نفسه أمام معضلة إيجاد البديل لترامب، هو حوّل نظره، كما كثيرون، إلى ماركو روبيو، ولكن تيد كروز ظهر أمامه في الصورة، ذلك أنه "على الرغم من أدائه السيئ، ولكن لا يمكن الاعتماد على تلاشيه السريع". كذلك، لا يمكن إلغاء جون كاسيش من المعادلة "إذ إن العديد من مناصري جيب بوش سيتحوّلون إلى دعم كاسيش"، وفق الكاتب.
دانيال آلين كانت أكثر حدة في انتقاده لاندفاعة ترامب، هي رأت في "ذي واشنطن بوست" أن ترامب "ديماغوجي انتهازي يستغل بلداً منقسماً". الحقيقة بالنسبة إليها هي "أننا منقسمون على إيديولوجيات حزبية قوية، وليس بمقدورنا التنسيق من أجل إيجاد حل لإيقاف ترامب". وعلى الرغم من أن جزءاً كبيراً من الناخبين الجمهوريين يظنون أن ترامب غير مقبول كمرشح رئاسي، ولكنهم "حتى الآن لم يتمكنوا من إيجاد حل" في وجهه، وفق الكاتبة.
آلين طرحت نظرية من الصعب تحقيقها، رغم أنها وصفتها بأنها الطريقة الوحيدة لإيقاف ترامب. الحل بحسبها هو "من خلال التوصل إلى نوع من التنسيق عبر الحزب وتخطي الانقسامات داخل الحزب الواحد".
توجهت إلى الجمهوريين كأنها تدق ناقوس الخطر قائلة: "أيها الجمهوريون لا يمكنكم الاعتماد على الديموقراطيين لإيقاف ترامب. أعتقد أن هيلاري كلينتون ستفوز بترشيح الديموقراطيين، وسأصوت لها، ولكن في حالتها هي أيضاً مرشحة لديها نقاط ضعف مهمة".
من هنا، اعتبرت الكاتبة أن الوقت قد حان من أجل انسحاب جون كاسيش وبن كارسون، ودعم ماركو ربيو، أما تيد كروز، فقد رأت أن عليه البقاء لأنه يسحب الكثير من الأصوات من أمام ترامب، "ولكن يا سيد كروز إنك تذهب إلى اتباع سياسات ترامب، يجب أن تغيّر المسار"، قالت له الكاتبة.
بعدها تحوّلت إلى الديموقراطيين بناقوس خطر خاص بهم وقالت "أيها الديموقراطيون، إن مرشحتكم ضعيفة وهناك إمكانية كبيرة أن لا تربح أمام ترامب في الانتخابات العامة، عليكم مساعدة الجمهوريين للقضاء على ترامب، هذا ليس الوقت المناسب للمراقبة بسلبية".
ثم انتقلت الكاتبة إلى المرشحين الجمهوريين الذين انسحبوا من السباق، ودعتهم إلى أن "يقوموا بعمل عظيم" من خلال دعم المرشح الذي يسميه الحزب الجمهوري. "كونوا أقوياء، قفوا واصرخوا قائلين إنكم لن تدعموا ترامب إذا كان مرشح حزبكم، قوموا بذلك معاً، وادعموا ترامب في مؤتمر موحد، حان الوقت لرسم خط واضح، وأنتم الذين يقع عليكم العبء في ذلك".