على مدى أسبوع كامل، وبصمت تام ومن دون سابق إنذار، نفذت القوات الصاروخية التابعة للحرس الثوري الإيراني مناورة «اقتدار الولاية» على امتداد الأراضي الإيرانية، مستخدمة صواريخ بالستية تراوح مداها بين 300 كلم و2000 كلم.

أحد المصادر القيادية التي أشرفت على المناورة أشار إلى أن عنصر المفاجأة كان حاضراً في تكتيكاتها، فهي كانت مفاجأة للقوات الصاروخية المنتشرة في الجغرافيا الإيرانية، ذلك أن هذه المناورة لم تكن مدرجة على جدول المناورات الاعتيادية، وبالتالي جرى إبلاغ القوات عن أهداف افتراضية يجب ضربها، وتمّ رصد كل نقاط الإطلاق وعمل الفرق الموزعة في القواعد الصاروخية فوق سطح الأرض وتحتها وطريقة تحرّكها وتنفيذها للأوامر. وقد اعتمد التقييم على الجاهزية وسرعة التنفيذ والتعامل مع التغيير المفاجئ للأهداف، إضافة إلى اختبار ظروف ضاغطة وصعبة للفرق الشابة، التي تشكل القسم الأكبر من القوات المنتشرة في المنظومة الصاروخية.
عمليات الإطلاق تمّت بنجاح، وجرى الكشف عن قواعد عسكرية إضافية تحت الأرض قادرة على إطلاق صواريخ لمسافات تصل إلى 2000 كلم. واختتمت هذه المناورات بحضور قيادات من الحرس الثوري التي ارتسمت علامات الرضى على وجوههها. المناورة حقّقت الهدف المتمثل في وضع كل القطع الصاروخية في ظروف قتالية حقيقية، وجرى رصد سرعة الرد ودقته وتنفيذ الأوامر، أي الخطة الردعية الموضوعة للانتقال من امتصاص الهجوم والدفاع إلى مرحلة الهجوم الدفاعي الذي يتزامن مع إمطار صاروخي على شعاع 1400 كلم في حده الأدنى.
وقد أحصت غرفة العمليات أعداد الصواريخ التي أطلقت، وقدمت شرحاً لنوعية الإصابات ودقتها، وكان آخرها صاروخ «قدر» الذي أُطلق من عمق جبال البرز شمال إيران باتجاه سواحل مكران جنوب شرق البلاد، والمطلّة على بحر عمان والمحيط الهندي. وقد كُتبت عبارة بالفارسية مترجمة إلى العبرية على طول الصاروخ وهي «إسرائيل يجب أن تزول من الوجود».

حاجي زادة: القوة الصاروخية قادرة على استهداف التكفيريين في سوريا

علاوة على ذلك، حملت المناورة معها العديد من الرسائل إلى من يعنيهم أمر هذه القوّة التي تقدّر بملايين الصواريخ، بحسب نائب قائد الحرس الثوري، العميد حسين سلامي، الذي أوضح أن إنتاج الصواريخ في إيران وصل إلى حدّ لم يعد بإمكان المخازن أن تتسع لها.
أما الرسالة الأبلغ، فقد قُرئت في كلام قائد الوحدات الصاروخية العميد أمير علي حاجي زادة، الذي شدّد على استكمال بناء المنظومة الصاروخية رغم الاعتراضات الأميركية، موضحاً أن هذه القوة الردعية لن تتوقف لأي اعتبار كان، فهي تعتبر فوق الخطوط الحمر التي لا يمكن المساس بها. العميد حاجي زادة أشار، أيضاً، إلى أن «القوة الصاروخية الإيرانية قادرة على استهداف التكفيريين في سوريا، من الناحية اللوجستية». لكنه لفت إلى أن «محاربة الإرهاب التكفيري تحتاج إلى حرب برية، بما تسلتزمه من أساليب قتالية لا تحتاج إلى صواريخ بعيدة المدى». مع ذلك، فقد أعاد تأكيد قدرة طهران على توجيه ضربات صاروخية إلى الإرهابيين، انطلاقاً من الأراضي الإيرانية.
مناورة «اقتدار الولاية» يمكن وصفها بالفريدة من نوعها على مستوى المناورات المعلنة من قبل الحرس الثوري الإيراني، لاعتمادها عنصر المفاجأة إن كان على صعيد القوات التي شاركت فيها أو على صعيد عدم نشر أي أنباء عنها إعلامياً، فالظروف التي عاشتها القوات المسلحة، خلال أسبوع، تمكنت من محاكاة حرب حقيقية في غرف عملياتها، ولم يتم رصد كل التحركات من قبل أجهزة الاستخبارات الغربية، وخصوصاً الأميركية والإسرائيلية.
باختصار، فإنّ عملية صاخبة بهذا الحجم جرت بصمت كبير، ما منح القوات الإيرانية أفضلية قتالية في تنفيذ المناورة، من دون الكشف عن مواقع إطلاق الصواريح وانتشارها، الأمر الذي يعني أن التكتيك العسكري الإيراني سيعتمد استراتيجيات جديدة في التعامل مع التهديد، وهو القيام بعمليات استباقية ضد تهديدات حقيقية محتملة. من هنا، أرادت طهران إيصال رسالة مفادها أن الاستراتيجية الدفاعية البحتة قد تكون خيار الهجوم الدفاعي وأحد التكتيكات المتبعة.
ستُقرأ هذه المناورة بشكل كبير في الدوائر المغلقة لأعداء إيران وخصومها، إذ إن وجود إيران من ضمن القوى العشر عالمياً من الناحية الصاروخية يشكل تهديداً وجودياً لأعدائها ويمنح حلفاءها عمقاً استراتيجياً، كونها قادرة على تقديم الدعم البعيد المدى، إضافة إلى مساندة الحلفاء في أوقات الشدة، وخصوصاً بعدما تغيّرت قواعد الاشتباك التي تمكّنها من أن تقدم على عمليات جريئة إذا ما وجدت أن أحد الحلفاء يتعرّض لتهديد وجودي. وإذا لم يكن الدعم ميدانياً، كما في سوريا والعراق، فسيكون صاروخياً فاتحاً الباب على سيناريوات قتالية لن تُعرف نتائجها، إلا في اللحظات الأولى لنشوب المواجهة.