ترافق وضع الرئيس البرازيلي السابق، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، قيد الإيقاف التحفظي من قبل النيابة العامة، مع توجيه تهم مختلفة، منها «إخفاء ممتلكات»، فيما سعت المعارضة إلى التهدئة، وذلك في ظلّ جوٍّ سياسيّ مربك، خصوصاً وسط إضعاف المؤسسات السياسية في البلاد.

وقد أصدر المدعي العام لساو باولو، كاسيو كونسيرينو، توصيةً باعتقال لولا دا سيلفا وإيداعه السجن بشكل احتياطي تحت لائحة اتهاماتٍ، أبرزها تبييض الأموال وتهديد الاستقرار والاستخفاف بالقضاء. وأرفق المدعي العام التوصية بطلبه إلى القاضية كريستينا هرنانديز منحه حق الإشراف بنفسه على عملية الاعتقال، على اعتبار أن الملف القضائي بات مكتملاً.
أمّا لولا دا سيلفا، فقد صرّح بنبرة تحدٍّ عالية، رداً على القرار، بأنّ سقوطه لن يحصل إلّا في الشارع. وقال: «إن اعتقلوني فسأصبح بطلاً، وإن تركوني فسأكون رئيساً، وإن قتلوني فسأغدو شهيداً». ووصف الطلب «بالابتزاز والنصب القضائي»، معتبراً أن كونسيرينو ما هو إلا «أداة في مشروع سياسي انقلابي».
وحذّر «حزب العمال» من المزيد من التمادي في استخدام المؤسسات القضائية لتصفية الحسابات السياسية، تاركاً اجتماعاته مفتوحة للرد على أيّ إجراءات جديدة تستهدف الرئيس السابق. بدورها، انتقدت الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف قرار المدعي العام، معلنةً أنها على استعداد لمنح دا سيلفا مقعداً وزارياً يقيه من الملاحقات القضائية.
وأخذ «حزب العمال» عرض روسيف بجدية، رغم رفض دا سيلفا له، فيما كشف مصدر في «حزب العمال» لـ«الأخبار» أن الحزب أخذ وعداً من الرئيس السابق بالتفكير في عرض إسناد وزارة الديوان الحكومي إليه، وهي حقيبة مهمّة، تقارب منصب رئيس الحكومة، ومقرّها في الطابق الثالث للقصر الجمهوري.
لكن المفاجأة الأبرز جاءت من المؤسسة الإعلامية الأكثر عدائية لـ«حزب العمال»، شبكة «غلوبو»، إذ سارع عدد من إدارييها إلى انتقاد وإدانة القرار القضائي للنيابة العامة في ساو باولو. وفي السياق نفسه، عبّر القاضي سيرجيو مورا، الذي أمر بإحضار لولا دا سيلفا عنوة منذ أيام، عن صدمته بتوصية النيابة العامة التي لم تستند إلى أدلة ووقائع ثابتة في قرارها.
من جانبها، قرأت المعارضة تصريح الرئيس السابق على أنّه رسالة مفادها أنّ «حزب العمال» لن يسمح بعملية التصفية السياسية، فلجأت إلى ما يشبه التهدئة عبر مبادرات كلامية، أهمّها انتقاد الأسلوب الذي لجأت إليه الشرطة الفدرالية.
وظهر قلق المعارضة من خلال دعوة رئيس الكتلة النيابية لـ «الحزب الاجتماعي الديموقراطي» المعارض، كاسيو ليما، إلى إدانة قرار النيابة العامة بسجن لولا دا سيلفا، معتبراً ألّا مبرّرات لاتخاذ مثل هذه الإجراءات. وقد تلى إدانة أكبر أحزاب المعارضة، المزيد من الإدانات والدعوات إلى التراجع عن هذا الأسلوب، رغم أنها لم تنتقد سابقاً المسار القضائي، لا بل شكّل عنواناً لحملاتها الانتخابية ضدّ «حزب العمال». ويأتي ذلك نتيجة خشية المعارضة من انفجار المسار القانوني بشكلٍ يجعله يخرج عن السيطرة، ويضع الجميع أمام معادلات لا خيارات فيها.
ويأتي موقف المعارضة ليؤكّد يقينها بضرورة إعادة الاعتبار إلى المؤسسات السياسية في البلاد، خصوصاً أن رئيس الكتلة البرلمانية، كاسيو ليما، دعا الرئيس الأسبق فرناندو كاردوزو إلى المضي في مبادرة سياسية تنقذ البلاد من الانزلاق إلى ما هو أسوأ.
وقد أكّد مصدر لـ«الأخبار» أن هذه المبادرة قد بدأ الإعداد لها منذ أسابيع، وأن المعارضة كانت تنتظر نتيجة الاحتجاجات في الثالث عشر من الشهر الحاليّ. وأضاف المصدر أن أسس هذه العملية السياسية مبنية على استقالة الرئيسة، ديلما روسيف، وتشكيل حكومة موحدة يكون فيها للعمال حصة وازنة.
يظهر إذاً أن تصعيد لولا دا سيلفا لم يكن ردّ فعل على إجباره على المثول أمام الشرطة الفدرالية، بل نتيحة قراءة مسبقة لعمل منظّم يستهدف إنهاء مسيرته السياسية، وإنهاء الرمزية الوطنية التي يمثلها. ويبدو أن اللعبة السياسية في البلاد بدأت تأخذ منحى مزدوجاً، بين التصعيد والتهدئة، بغية تحصيل المكاسب. ويترافق ذلك مع الإضعاف المتعمّد للمؤسسات السياسية، إذ إن الحكومة المكبّلة بقضايا الفساد غير قادرة على كبح طموح بعض القضاة والأمنيين. وفي الوقت عينه، فإنّ المعارضة المشتّتة لم تعد خياراً أفضل بفعل تورط العديد من قيادييها في ملفات فساد ورشوة، ليس آخرهم المرشح السابق للرئاسة، آيسيو نيسفيس، والرئيس الأسبق فرناندو كاردوزو. وبهذا، فإن المشهد بات يخضع لقواعد جديدة قد تشهدها الساحة البرازيلية.