تشن الولايات المتحدة حرباً إعلامية لزعزعة الثقة بالاقتصاد الصيني وعملته، وجاذبيته للمستثمرين، إلى جانب سعيها لتطويق الصين عبر اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادئ». ويجري ذلك بالتوازي مع «إعادة تموضع» القوات والأساطيل الأميركية إلى الشرق الأقصى، ونشر واشنطن وسائلها العسكرية الاستراتيجية الأحدث هناك.

قطعت الصين بالفعل شوطاً كبيراً على طريق جعل عملتها عملة احتياطي عالمي. وربما كان أكثر ما أثار واشنطن هو «تواطؤ» حليفتها الوثقى، لندن، مع بكين، بتحوّلها مركزاً أساسياً للتبادل باليوان؛ وهو ما تعزّز باتفاقات أبرمها الرئيس الصيني شي جين بينغ، مع الجانب البريطاني، في زيارته الأخيرة إلى المملكة المتحدة.

سيكون التطور التكنولوجي في مقدمة عوامل النمو المستقبلي

وكانت وكالة «شينخوا» الصينية، قد تحدثت، في تقرير نشرته في تشرين الأول من عام 2013، عن تسبب الولايات المتحدة بـ«فوضى إضافية في العالم، عبر تحويل المخاطر المالية إلى ما وراء البحار، مثيرة توترات إقليمية، ومشعلة حروباً غير اضطرارية، تحت ذرائع وأكاذيب مكشوفة»، داعية الدول الناشئة لبناء «نظام عالمي جديد»، يعكس الثقل الحقيقي لهذه الدول، ويعترف بحقوقها ومصالحها.
وحدد البنك المركزي الصيني، في تشرين الثاني من العام الماضي، إطاراً زمنياً لتحقيق تقدم ملموس على هذا الصعيد، فأعلن تطبيقه سلسلة من الإجراءات لمساعدة اليوان ليكون عملة دولية بحلول عام 2020، أي عند نهاية مدة الخطة الخمسية التي يناقشها البرلمان الصيني في الوقت الراهن.
و«تجرأت» بكين، في خطتها الخمسية، على إبقاء النمو الإقتصادي، أو بالأحرى التنمية الشاملة، هدفاً أساسياً، برغم الضجيج في الغرب لأصوات تسعى إلى فرض أولوية «الإصلاحات» وخفض الدين عليها بدلاً من ذلك. وهذا ما ظهر في تقارير إعلامية في صحف أميركية وبريطانية، لمهاجمة الخطة، ومحاولة عرقلة مسيرة اليوان نحو تبوّء مكانته المستحَقة، بوصفه عملة الإقتصاد المنتج الأول عالمياً، ولمحاولة تخويف الرساميل الأجنبية، وحملها على الإبتعاد عن الصين.

بكين: الأولوية للتنمية

يتجه البرلمان الصيني، المنعقد منذ الخامس من الشهر الجاري حتى السادس عشر منه، إلى إقرار خطة عمل الحكومة للسنة المالية المقبلة، وأيضاً الخطة الخمسية الـ13، للفترة بين العام الجاري وعام 2020.
«للتنمية أهمية قصوى بالنسبة الى الصين، وهي مفتاح الحل لكل مشكلة نواجهها»، قال رئيس الحكومة، لي كيه تشيانغ، في أولى جلسات البرلمان، مشدداً على حيوية هذه المسألة، بقوله إن مساعي التنمية أشبه بـ«الإبحار عكس التيار؛ فإما أن نتقدم، أو أن ننجرف معه نزولاً». الهدف الأساس في خطة الحكومة للعام المقبل انتهاج سياسة مالية ونقدية توسعية، خدمة لتحقيق نسبة نمو تراوح بين 6.5% و7%. وتُثبّت الخطة النسبة الأولى كأساس للسنوات الخمس المقبلة، لتستهدف نسب نمو أعلى منها في هذه الفترة.
وتلحظ الخطة زيادة في الإنفاق العام، بما يخلق ما لا يقل عن 10 ملايين فرصة عمل جديدة في المدن، وبما يرفع نسبة عجز الموازنة نسبة إلى الناتج المحلي إلى 3%، صعوداً من 2.3% في السنة الماضية، وبما يزيد نسبة الدين العام من الناتج المحلي إلى 258% في العام الجاري، صعوداً من 247% عند نهاية العام الماضي، بحسب تقديرات الحكومة.
وبالتوازي، تتحدث الخطة عن استخدام «كامل أدوات السياسة النقدية» للتوسع في التمويل، مستهدفة زيادة السيولة، بمقياس M2، بنسبة 13%، مقارنة بهدف زيادة السيولة 12% العام الماضي. وتتوقع الخطة أن تبقى نسبة ارتفاع مؤشر أسعار الإستهلاك عند 3%.
وتعهدت الحكومة في خطتها أن تزيد من مرونة معدلات الفوائد، (المرتفعة قياساً بمثيلاتها في أوروبا والولايات المتحدة، إذ تبلغ الفوائد على سندات الدين الحكومية 2.63%، مقارنة بـ0.21% و1.82% في منطقة اليورو والولايات المتحدة، على التوالي)، مع الإستمرار في إدارة هذه النسب عبر أدوات السياسة النقدية.
وبحسب التقرير، فإن الحكومة عملت خلال السنة الجارية على إبقاء سعر صرف اليوان عند «مستوى معقول ومتوازن»، مع سعيها للسيطرة الفعالة على «الحركة غير الطبيعية للرساميل عبر الحدود».
وسيكون الابتكار والتطور التكنولوجي في مقدمة عوامل النمو المستقبلي، بحسب خطة العمل التي قدمها رئيس الحكومة للبرلمان، قائلاً إنه بحلول عام 2020، سيكون 60% من النمو الإقتصادي في الصين ناتجاً من التطور العلمي والتكنولوجي. وتعهّد لي أن تكثّف الحكومة جهودها لإصلاح المؤسسات الإنتاجية، معلناً في هذا السياق خفض الطاقة الإنتاجية الفائضة في قطاعات معينة، كإنتاج الفولاذ والفحم، التي تُقدَّر في القطاع الأخير بـ500 مليون طن سنوياً.
وأوضح لي أن الحكومة ستعالج مؤسسات القطاع العام المتعثرة عبر عمليات «الإندماج وإعادة التنظيم وإعادة هيكلة الدين»، دون أن يستبعد التصفية، مضيفاً أن الحكومة تلحظ في خطتها مساعدات للعمال المصروفين من بعض هذه المؤسسات، بقيمة 15.4 مليار دولار، دون أن يحدد حجم وتوقيت عمليات الصرف هذه.
ونُقل، الشهر الماضي، عن مسؤول في وزارة الموارد البشرية والأمن الاجتماعي قوله: إن ثمة توجهاً لصرف نحو 1.8 مليون من العاملين، لكن رئيس مفوضية التنمية الوطنية والإصلاح (الهيئة العليا للتخطيط الإقتصادي)، شيو شاوشي، نفى أن تنطوي خطة انتشال المؤسسات العامة المتعثرة على عمليات صرف ضخمة، قائلاً إنه «مع إرشاد الحكومة المركزية، ومع الترتيبات الدقيقة من جانب الحكومات المحلية، فإن خفض طاقات الإنتاج الفائضة لن يؤدي إلى موجة أخرى من الصرف»، في إشارة منه إلى صرف 28 مليون عامل في مؤسسات عامة قبل 15 سنة.
وفي السياق نفسه، أعرب محافظ البنك المركزي الصيني عن استعداد البنك لدعم جهود الحكومة لإنعاش المؤسسات العامة المتعثرة، شارحاً أن بإمكان البنك «مواءمة الهيكلية المالية (لهذه المؤسسات) مع سياسات التصحيح الهيكلي، التي تعالج مسائل الطاقة الإنتاجية الفائضة والترفيع (شكل من الاستدانة) وخفض مخزونات البضائع».
إلى ذلك، حذّر رئيس الحكومة من أن الحزب الشيوعي الحاكم «لن يتحمّل» المسؤولين المقصّرين في واجباتهم، متحدثاً عن منح الحكومة هامشاً للتصحيح لأولئك الذين ارتكبوا أخطاء، ومكافآت للمصلحين والمبدعين. وتجدر الإشارة إلى أن اللجنة المركزية لمراقبة الانضباط، التابعة للحزب الشيوعي الحاكم، أعلنت مطلع الشهر الجاري معاقبة نحو 300 ألف مسؤول خلال العام الماضي، بتهم تتعلق بالفساد، متعهدة الاستمرار في حملتها.