لم ينتظر القاضي سيرجيو مورو، «بطل التظاهرات المليونية» في البرازيل، إلا ساعات قليلة كي يعلن المواجهة الشاملة مع حزب العمال، بقطبيه، الرئيسة ديلما روسيف، والرئيس السابق، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا. فالملاييين التي هتفت باسم مورو الأحد الماضي، وجعلت منه رمزاً وطنياً، أعطته جرعة مجنونة في كسر كل القواعد القانونية، آخرها عبر التنصت على مكالمات القصر الجمهوري ونشرها، ما أجّج الأزمة السياسية وأشعل الشارع الذي لم يلتقط أنفاسه بعد.

وبدا القاضي، الذي وصفه دا سيلفا بالانتهازي، كأنه تحرر من الضوابط المهنية، وبدأ التصرف كزعيم سياسي يلتقط اللحظة التاريخية لبلد بات مصيره السياسي محفوفاً بالكثير من المخاطر.

تصاعد الأزمة أربك الشرطة ومجلس القضاء الأعلى

فَهِم العماليون الرسالة، إذ إنّ الاحتجاجات الحاشدة التي شهدتها المدن البرازيلية الأحد الماضي، أشارت إلى أنّ تنحي المعارضة عن المواجهة وتسليم الراية للقضاء أصاب من العماليين مقتلاً. وأدركت روسيف أن تطويقها، عبر اعتقال شريكها دا سيلفها وإيداعه السجن، سيكون كارثياً على حكمها، فذهبت إلى خيار المواجهة التي لا مناص منها، فلجأت إلى توزير دا سيلفا، لإبعاد شبح الملاحقة القانونية عنه، لأن المرحلة تحتاج إلى مواجهة دامية قد يكون الرئيس السابق هو الأجدر بإدارتها. إلا أن القاضي، ايتاجيبا نيتو، سحب هذا الخيار عبر قرار قضائي يمنع بموجبه تولي دا سيلفا أي منصب وزاري.
لم تكن محاولة تسليم دا سيلفا وزارة الديوان الحكومي الخيار الأفضل، لكنها كانت الإشارة إلى أن الصراع وصل إلى ذروته. فالشارع الذي استُخدم كسلاح أساسي في هذه المعركة بدأ أولى جولاته المتوقعة: اشتباكات في شارع باوليستا وسط ساوباولو بين مؤيدين للحكومة وبين مطالبين بإسقاطها، تؤدي إلى سقوط جريحين، ومواجهات أخرى في العاصمة برازيليا، وتحشيد في عدد من المدن، وسط حملات متبادلة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.
تصاعد حدة الأزمة السياسية في البرازيل أربك عدداً من الأطراف الأساسية، أهمها الشرطة الفدرالية ومجلس القضاء الأعلى. فالشرطة التي نفّذت، بحسب بيانها، تعاليم القاضي مورو بالتنصّت على الاتصالات الرئاسية، سارعت إلى رفع مسؤوليتها عن نشر مضمون هذه الاتصالات، الذي شكّل سابقة خطيرة لا مسوّغ قانونياً لها. أما المحكمة العليا، فباتت ترتاب من تصدّر قاضٍ جزائي كمورو للمشهد القانوني، خاصة في مرحلة بات الناس فيها شديدي التأثر بالاستعراض السياسي والقضائي، ولم تعد تأبه للنقاش القانوني والدستوري الذي تعمل هذه المحكمة على أساسه.
وقد يجد عدد من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء أنفسهم مضطرين إلى ركوب موجة الشارع، بعدما باتت اللغة القانونية غير مفهومة، وباتت المزايدات السياسية ممراً إلزامياً للوصول إلى قلوب الناس.
باتت لعبة الكرّ والفرّ إذاً تحكم البرازيل اليوم، فالعماليون حاولوا الاستفادة من الحصانة الوزارية لحماية دا سيلفا من براثن مورو، الذي سارع إلى التجسس على الاتصالات الرئاسية كي يثبت الاستخدام الجرمي للمركز السياسي، فوجد ضالته في مقطع من المحادثة بين دا سيلفا وروسيف، الذي قالت فيه الأخيرة إنها سترسل أحد معاونيها لتسليم الرئيس السابق ملفاً يُستخدم حين الضرورة.
اعتبر مورو أن الملف المذكور هو إسناد حقيبة وزارية إلى دا سيلفا، وأن ذلك يُعَدّ تهرباً واضحاً من الملاحقة القضائية، فضرب القاضي الحديد وهو حام؛ فالشارع الذي بايعه منذ أيام بات جاهزاً لتلقّي أي تعليمات، وعليه، فإن نشر مضمون الاتصالات كان بمثابة إشعال النار في الهشيم.
على هذه الوتيرة تتسارع الأحداث في البرازيل، وسط انعدام الأفق لأيّ انفراجات قريبة، وقطع التحركات القضائية لكل مساعي الحوار، في مشهد وصفته افتتاحية صحيفة «فوليا دي ساوباولو» بقرع طبول الحرب، فيما أطلق عليه عدد من المواقع الموالية اسم «مقاومة الانقلاب».
وسط هذه التسميات، تعيش البلاد أكثر الأوقات حساسية ودقة، فالانزلاق إلى هاوية الصراع، في بلد بات القانون فيه هشّ والإدارة السياسية مرهقة ومشتتة، سيولّد صراعاً مدمراً، وفق عدد من المراقبين. أما الخروج من هذا الأزمة، فيستلزم أولاً اعترافاً من العماليين بأن الواقع الشعبي بات في غير مصلحتهم، وأن اللجوء إلى التصعيد سيعطي خصومهم ورقة إضافية؛ ويستلزم من المعارضة كذلك أن تعقلن طموحاتها، التي باتت تهدّد السلم الاجتماعي للبرازيل.