كانت نخب أوروبية عدة (حاكمة وغير حاكمة) توجه أصابع الاتهام إلى المستشارة الألمانية، انجيلا ميركل، وإلى سياستها القاضية "بفتح الأبواب" أمام اللاجئين والمهاجرين، لمسؤوليتهما عن تفاقم تداعيات "أزمة اللاجئين" في أوروبا. وكان هؤلاء ينتقدون الاتفاق الأخير مع تركيا (الذي جرى تعديل نصه الأساسي) على اعتبار أنه يمنح أنقرة امتيازات أوروبية عدة، إضافة لكونه مثيراً للجدل.

تعود جذور مواقف انجيلا ميركل حيال أوروبا إلى فن التردد المدروس

وقوبل الاتفاق مع تركيا بانتقادات أوروبية، فرنسية خصوصاً، لجهة أنّ ميركل هي من دفعت للتوصل إليه دون التنسيق المباشر مع باريس وأطراف أخرى.
وقدّمت الانتخابات المحلية التي جرت في ثلاثة اقاليم ألمانية، قبل نحو أسبوع، أدلة على تراجع في شعبية ميركل، في ظل اعتبار متابعين وصحف أوروبية أنّ صعود الحزب اليميني المتشدد "البديل من أجل ألمانيا" سببه "سياسات ميركل في ملفي الهجرة واللجوء".

ألمانيا «الميركيافيلية»

لا يمكن القول إنّ هذه هي المرة الأولى التي تحسم فيها "ألمانيا ــ ميركل" في ملفات مطروحة أمام مؤسسات ودول الاتحاد الأوروبي. فقد قامت ألمانيا بزعامة المستشارة الحالية باستغلال موقعها كقوة اقتصادية مهيمنة في أوروبا لتفرض مصلحتها كأولوية تتمحور حولها أي مخططات تهدف إلى إنقاذ دول الاتحاد الأوروبي بعد تصاعد حدة الأزمات الاقتصادية في النصف الثاني من العقد الماضي.
كان المفكر الألماني، أولريتش بيك، يعتبر أنّ "العامل الأساسي لنجاح ميركل هو تحلّيها بخفة تكتيكية". ويسمّي بيك منهج ميركل السياسي "الميركيافيلّية" (نسبة إلى مكيافيل)، وهو قائم على "الحذر، والرغبة بعدم القيام بأي شيء". وقد تجلّى ذلك، وفقاً لبيك، بتموقع ميركل أوروبياً بين "بناة أوروبا" و"المؤمنين بالدولة القومية"، دون أن تنجر إلى أي من التوجهين، ما مكّنها من الالتزام بالتقليد الألماني القاضي بتفضيل المصلحة الألمانية على أي اعتبار آخر.
من هذا المنطلق، استطاعت ميركل أن توسع قاعدتها الشعبية محلياً، في الوقت الذي باتت تخافها فيه بقية دول الاتحاد، بخاصة المأزومة منها. فالمعادلة «الميركيافيلية» ترتكز في أحد جوانبها وفق بيك على «تصدير سياسات نيوليبرالية شديدة إلى الخارج، تترافق مع سياسات ذات طابع ديموقراطي اجتماعي في الداخل». ونجحت ميركل إلى حد كبير في المحافظة على هذه المعادلة خلال سنوات الأزمة الأوروبية الاقتصادية، ففرضت سياسات التقشف و«الإصلاحات البنيوية» على اليونان، والبرتغال، وإسبانيا، وإيطاليا، وايرلندا. وبينما أثبتت تلك السياسات فشلها في معالجة الأزمات، فقد نجحت ميركل في احتوائها كي لا تضطر ألمانيا (والترويكا من خلفها) إلى الإقدام على تغييرات حقيقية في البنية الاقتصادية لمؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وهو سياق يؤدي إلى تعليق مصائر الدول الأعضاء في الاتحاد بمصلحة ألمانيا. ويشرح بيك أنّ "ميركل تربط الاستعداد الألماني لمنح الائتمان بمدى استعداد الدول المدينة لتلبية شروط سياسات الاستقرار الألمانية".
وقد تندرج تلك السياسات ضمن إستراتيجية "ترك الأمور على ما هي عليه"، طالما أنّ الفائدة تعود على ألمانيا، "ما سمح بتطور قوة ألمانيا... بصورة خفية"، وفق بيك، الذي يضيف أنه "في إطار المنظومة الأوروبية، لا حاجة لقوة السلاح للهيمنة والتحكّم والإكراه، فالقوة الاقتصادية أكثر قدرةً على التوغّل، ولا تتطلب قوة عسكرية".

فن التردد... للإكراه

يقول وزير المال اليوناني السابق، يانيس فاروفاكيس، في مقالة له، إنه لو كان أمام ميركل خياران: يقضي الأول بإنهاء الأزمة مباشرةً بفعل القبول بمبدأ رفع نسب النمو في أوروبا عامةً، شرط خفض نسب الديون مقابل الناتج الإجمالي المحلي إلى حد نسبة 60%، فيما يقضي الثاني بأن يبقى الاتحاد كما هو لحوالى عشر سنوات، في ظل تفاقم الأزمات ببطء، ما سيؤدي إلى إلحاق أضرار أكبر بدول الجنوب الأوروبي مقارنة بدول الشمال، فإنّ الخيار الثاني سيكون على الأغلب خيار ألمانيا، وفقاً له.
وجدير بالذكر، أنه بعد صراع دام أشهرا مع حزب «سيريزا» اليساري اليوناني إثر فوزه في الانتخابات مرتين العام الماضي، ما مثّل تهديداً ظرفياً للهيمنة الألمانية على الصعيد الأوروبي، وكان من شأنه مجابهة سياسات ألمانيا التقشفية، خرجت "ألمانيا ــ ميركل" منتصرة على أثينا بفرضها المزيد من الديون، و«الإصلاحات» النيوليبرالية، على الرغم من أنّ أثينا باتت تعاني أكثر من أي وقت مضى.
وتعود جذور مواقف المستشارة الألمانية حيال أوروبا إلى "فن التردد المدروس"، وهو "خليط من عدم الاكتراث، ومن رفض أوروبا والتزاماتها"، إلّا بما يتناسب ومصالح برلين. "التردد كوسيلة إكراه؛ إكراه لا يكون عبر توغل المال الألماني، بل عبر التهديد بسحب، تأخير، أو رفض الائتمان"، وفق بيك، الذي يوضح أنه اذا رفضت ألمانيا تقديم الائتمان "يكون انهيار الدول المدينة حتمياً".
وقد تنسحب ديناميّات سياسات ميركل الأوروبية إلى داخل المشهد السياسي في البلاد، إذ يعتبر الكاتب، ديرك كربجويت، أنّ الحياة السياسية التي سادت منذ بدء عهد ميركل (2005) تتصف بـ"التوافق المشلول". ويصوّر الجو السياسي الذي تريده "ماما ميركل" على النحو التالي: "مهلاً، اخفضوا أصواتكم. لا تدخلوا في سجالات أو تُستفزّوا. إن المستشارة تطالبكم بالهدوء... حتى في مواسم الحملات الانتخابية! لا للهجومات! لا للنقاشات! ابقوا في منازلكم... اخلدوا إلى النوم".




زعامة «غير مؤقتة» لحزبها


في عام 2000، وصلت انجيلا ميركل إلى زعامة حزب "الاتحاد الديموقراطي المسيحي" إثر تأجج الخلافات بين الكوادر حول زعامة الحزب، وذلك عقب عزل الزعيم السابق، هلموت كول، إثر الكشف عن تورطه بفضيحة مالية.
وكان قد وقع الاختيار على وولفغانغ شويبله (وزير المال الحالي)، لكن تورطه هو الآخر حال دون بقائه على رأس الحزب. فكانت ميركل الخيار الأخير.
ويبرر الكاتب الألماني، ديرك كربجويت، سبب اختيار كوادر الحزب لميركل على الشكل التالي: "كانوا يقولون: حسناً أنجي، يمكنك الحكم لسنتين كي ينسى الناس فضيحة كول، وبعد ذلك يقوم أحدنا بالعمل الحقيقي"، لكن حالما وصلت "أنجي" إلى الزعامة بدأت بالتخلص المنهجي منهم جميعاً، باستثناء شويبله، وفقاً للكاتب الألماني.