برازيليا | ملف الفساد «أوديبريشت»، الذي وصفته صحيفة «غازيتا دو بوفو» بالقنبلة الذرية، ضم 200 شخصية، موزعين على 18 حزباً، أكثرهم ينتمون إلى التيارات المطالبة بإقالة الرئيسة ديلما روسيف. أعادت هذه الفضيحة خلط الأوراق، على الرغم من محاولة القاضي «الملك»، سيرجيو مورو، إبقاء المسألة سرية، وهو نفسه مَن دافع عما سماه حق الشعب في الاطلاع على مسار قضايا الفساد، ومَن كسر القواعد القانونية بنشر تسجيلات الاتصالات الرئاسية، تحت عنوان إشراك الرأي العام بالضغط لمحاسبة الفاسدين.
تسريب ونشر المعلومات حول قضية «أوديبريشت»، بالأسماء والأرقام، استدعى تحركاً من الشرطة الفدرالية التي بدأت التحقيق في ملفات تلزيم عدد من المنشآت الحيوية، ومنها مطار غوايانيا وشبكة مترو الأنفاق في بورتو أليغري وملعب كورينتيانس في ساوباولو، إذ تفيد المعلومات بأن المشتبه فيهم تقاضوا رشى تصل إلى 100 مليون ريال برازيلي (نحو 28 مليون دولار).

أسئلة مشروعة لا تصبّ بالضرورة في مصلحة روسيف ودا سيلفا

وتُعد هذه القضية الأخطر بعد قضية مجموعة «بتروبراس»، من حيث التورط السياسي وحجم الرشى، ما أشاع جواً من الإحباط لدى الرأي العام، إذ باتت تُطرح تساؤلات عدة، أهمها يتصل بتحرك القضاء ضد الرئيس السابق، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وبمحاولة تحميل الرئيسة الحالية مسؤولية نهب ثروات البلاد، حيث ثارت الشكوك في ما إذا كانت تلك إجراءات قضائية «مستقلة»، أم جزءاً من عملية تصفية حسابات سياسية، وأيضاً في ما إذا كانت المعارضة، ذات السجل الفضائحي الحافل، هي أهل لـ«الإصلاح» الاقتصادي والسياسي؟
أسئلة مشروعة لا تصبّ بالضرورة في مصلحة روسيف ودا سيلفا، بل قد تؤسس لمرحلة جديدة مبنية على وعي اجتماعي أقل تأثراً بالمهرجانات الإعلامية والدعاية السياسية التي شيطنت فريقاً دون غيره، ووضعت المؤسسات الوطنية أمام خيارات محددة، عبر الابتزاز والتهويل.
أزمة المؤسسات في البرازيل تجلّت في الارتباك الخطير الذي ألمّ بالمجلس الأعلى للقضاء، الذي راح يتقاذف ملف دا سيلفا من قاض إلى آخر، خشية أن تتم شيطنة كل من يأخذ قراراً جريئاً بإلغاء إجراءات وقف توزير الرئيس العمالي السابق. وحين تجرّأ القاضي، تيوري لافازيسكي، على طلب استرداد ملف شركة «بتروبراس» من القاضي مورو، وتحويله إلى المجلس الدستوري، منتقداً سلوكيات زميله، وخصوصاً إقدامه على التنصت غير الشرعي، جن جنون المعارضة، وأرسلت عشرات الشبان للاحتجاج أمام منزل لافازيسكي وتهديده، ما استدعى تدخل وزير العدل وتأمين حراسة مشددة لقضاة المحكمة العليا، تفادياً للأسوأ.
تحوّل المشهد البرازيلي قد لا يقي روسيف الشر المستطير، لكنه سيفتح النقاش الجدي عند نخب باتت تتساءل عن جدوى انهيار المؤسسات ووضع الهيئات القضائية تحت الضغط والابتزاز، وعما سيبقى من ضمانات دستورية في حال انعدام الثقة في المرجعيات القانونية، مركز المراقبة والمحاسبة، وعن مصير سابع اقتصاد في العالم، المتروك ليترنّح على وقع حفلة من الجنون.
باتت هذه الأسئلة تُطرح بقوة، ما أدى إلى نشوء حالة تمرّد على الوضع الحالي، قادها أكاديميون، على رأسهم أستاذ العلاقات الدولية في جامعة «بوك» في ساو باولو، ريجينالدو ناصر، والأستاذ في العلوم السياسية في جامعة «إيسبي» في ريو دي جانيرو، جواو جونيور. ذاع صيت الاثنين بعد رفضهما المشاركة في ندوات إعلامية نظمتها شاشة «غلوبو»، تعبيراً عما سمّياه التحريض على الكراهية بين فئات الشعب البرازيلي.
تحدّثت «الأخبار» إلى كل من ناصر وجونيور، فأكدا أن ما تسعى إليه «قوى التخريب» هو انهيار الدولة وإنشاء المتاريس، وتسليم البلاد إلى الفوضى. لا ينفي ناصر أن الفساد هو المشكلة الأساس، لكنه يتساءل كيف أمكن إيهام الرأي العام بأن روسيف فاسدة، فيما لم تُثبت حتى الآن أي تهمة ضدها، في الوقت الذي تقود فيه المعارضة احتجاجات الشارع، وهي الملوثة بعشرات القضايا الثابتة والواضحة. ناصر رأى أن الوقوف في وجه «الانقلاب» ليس حكراً على العماليين، بل مسؤولية وطنية يجب أن يتحمّلها كل المستقلين والحريصين على مستقبل البلاد.
إلا أنّ العماليين لا يراهنون كثيراً على تورط خصومهم في الفساد، فهم يعتبرون أن المعركة الإعلامية والسياسية التي يواجهونها ترتبط أساساً بالعقيدة السياسية والعلاقات الخارجية، بل بأساس وجودهم في السلطة. وعليه، يرى العماليون أن المعركة هذه تفرض عليهم مواجهة مماثلة، وأن السلاح الأمضى لمقاومة «الانقلاب» هو الشارع الذي ألهبته المعارضة، والذي شكّل أداة الضغط على القضاة والسياسيين. وأطلق العماليون الدعوات إلى ملء الساحات، حيث ستقود روسيف ودا سيلفا الاحتجاجات التي بدأ الإعداد لها منذ أيام، والتي ستشارك فيها أكبر المنظمات الشعبية الموالية للعماليين، حركة «مواطنون بلا أرض».
يتنازع البرازيل اليوم شعاران، «فلتسقط روسيف» و«لا للانقلاب»، ما يضع تحت الضغط جميع مؤسسات الدولة، وحتى المدارس والجامعات، في مشهدية بات الكثيرون عاجزين عن تفسيرها أو التكهن بمآلها. لم تشهد البلاد هذا المستوى من التعبئة حتى في ذروة الحكم العسكري، والمجتمع البرازيلي غير معتاد على مثل هذه الأزمات. وعند الاتصال بعشرات المختصين والقانونيين والإعلاميين للسؤال عن رؤيتهم للحل، جاءتنا، بدل التحليلات، أدعية وصلوات: حمى الله البرازيل!