برازيليا | يعيش ميشال تامر، نائب الرئيس البرازيلي ورئيس حزب «الحركة الديموقراطية»، نشوة الأمل باقتناص رئاسة البلاد، بعد تضييق الخناق على الرئيسة العمالية، ديلما روسيف.
الصفقة التي كانت «الأخبار» أول من كشف عنها، والتي عُقدت بين تامر والمعارضة، باتت سارية المفعول، إذ بدأت «الحركة الديموقراطية» بسداد الدفعة الأولى من ثمن الرئاسة، عبر انسحابها من التحالف مع الحكومة العمالية، باستقالة وزرائها السبعة، وانضمامها إلى معركة إقصاء روسيف.
المرحلة الثانية ستكون بانضمام نواب الحركة الـ66 إلى كتل المعارضة، لتشكيل أغلبية الثلثين داخل البرلمان، ما سيتيح تشكيل اللجنة الخاصة بإعداد طلب عزل روسيف، ورفعه إلى الكونغرس الذي بدا جاهزاً لقبول الطلب. موافقة الكونغرس، بتصويت الأغلبية المطلقة، سيعزل روسيف عن الرئاسة لمدة 180 يوماً، يتولى في خلالها تامر مقاليد الحكم، إلى أن ينتهي مجلس الشيوخ من تحقيقاته، على أن يجري العزل الكامل للرئيسة بعد تصويت ثلثي أعضاء المجلس على ذلك، وهو ما يعوّل العماليون على تعذّره، كأمل أخير في فرملة المسار «الانقلابي».
أمام تلك المستجدات، ركّز العماليون جهودهم التفاوضية مع أعضاء في الكونغرس لسدّ الفراغ الذي أحدثه انقلاب «الحركة الديموقراطية». ووفق أستاذ القانون الدولي في جامعة فارغاس، سالم ناصر، يعوّل العماليون على حلفائهم من الأحزاب الصغيرة، وعلى انشقاق عدد من أعضاء «الحركة الديموقراطية»، لإفشال مسعى المعارضة لإقصاء روسيف.

نجح الإعلام بشيطنة العماليين لدى جزء كبير من الرأي العام

لكن الأسئلة الأهم بالنسبة إلى العماليين هو: هل بات الرأي العام البرازيلي مقتنعاً فعلاً بأن رحيل روسيف سينقل البلاد إلى بر الأمان؟ وبأن انتهاء حكم العماليين سيُنهي الصفقات والرشوة ونهب المال العام؟ وهل بات البرازيليون يرون في رئاسة تامر خشبة الخلاص؟
تنحصر التساؤلات اليوم في الدوائر النخبوية، إذ إن الإعلام قد نجح في شيطنة العماليين لدى جزء كبير من الرأي العام، حتى غفل عن فساد المعارضة، وبات شبه متقبل للبدائل، على شوائبها. لكن وفق سالم ناصر، تكمن أهم التساؤلات في أن المسار السياسي في البرازيل يتجه إلى إدانة البريء (في إشارة إلى روسيف، التي لم يثبت حتى الآن تورطها في أي من ملفات الفساد)، وإلى مكافأة المتورط في قضايا فساد عديدة (أي تامر).
وتبرز تساؤلات أخرى بشأن إصرار القضاء على منع تسلّم دا سيلفا مسؤولية حكومية، فيما يُظهر برودة غير مبررة في التعاطي مع الملفات التي تتعلق بقيادات المعارضة، وآخرها فضيحة «أوديبريشت». وفي هذا السياق، فإن ناصر، وهو من أبرز الوجوه الأكاديمية في ساو باولو، يؤكد لـ«الأخبار» أن المسار القضائي تلازم مع المسار السياسي في حبك المشهد المقبل، مذكّراً بأن طلب إقالة الرئيسة استند في الأساس إلى ما أُطلق عليه اسم «جرم المسؤولية» عن عمليات الفساد، وليس التورط المباشر، فيما استُبعد ما كانت تشير إليه المعارضة سابقاً حول مبالغ تقاضتها روسيف في أثناء حملتها انتخابية. والسبب هو أن تورط الرئيسة في مخالفات انتخابية سيُسقطها وتامر سوياً، لذا أخذ القضاء مساراً يوقع بروسيف وحدها، ويعوّم تامر كبديل.
إلى ذلك، لا يشعر الكثير من البرازيليين المتحدرين من أصول لبنانية بأن تنصيب تامر هو انتصار يُحتفى به؛ فالرجل ينتهز اللحظة السياسية ليصل إلى الرئاسة، دون أن يأخذ في الحسبان التبعات السياسية والاقتصادية لقراره. ويرى ناصر، وهو ابن عائلة لبنانية عريقة، أن تامر سيبقى رئيساً غير شرعي بنظر جزء كبير من الشعب البرازيلي، وأنه لن يكون مناصراً للقضايا العربية، مشيراً إلى أن تقارب البرازيل مع العالم العربي، وتحديداً تبني القضية الفلسطينية، كان موقفاً عمالياً التحق به تامر بحكم الشراكة السياسية. أما اليوم، فيتحالف تامر مع الأحزاب التي تربطها بالولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل علاقات مميزة، وبالتالي فإن وجوده في القصر الجمهوري لن يحقق بالضرورة آمال البرازيليين المتحدرين من أصول عربية.