بعد "الانقلاب" الذي أطاح حكم "جبهة النصر" اليسارية في الأرجنتين أواخر العام الماضي، لينصّب مليارديراً وثيق الصلة بواشنطن رئيساً للبلاد، نجحت القوى النيوليبرالية في فنزويلا والبرازيل بمحاصرة حكومتَي "التشافيستا" والعماليين في هذين البلدين، على التوالي، مهددة بإسقاطهما. وفي حين تضع تلك التطورات كوبا تحت خطر فقدان سندها الإقليمي، أطلق الرئيس الأميركي باراك أوباما، من قلب العاصمة الكوبية، خطاباً لم يُخفِ فيه أجندته الحقيقية، حيث اشترط عملياً أن تُفسح هافانا المجال أمام أدوات "الثورات الملونة" لدخول البلاد، مقابل رفعٍ جزئي وتدريجي للحصار المفروض عليها منذ أكثر من عقد من الزمن، لافتاً (بوقاحة) إلى حاجة البلاد إلى "التغيير" قبل فكّ الحصار.
تأتي التطورات الخطيرة تلك على وقع أزمات اقتصادية خانقة تعيشها هذه الدول، جعلت "الثورة المضادة" ممكنةً، بعد أكثر من عقد من حكم اليسار، شهدت فيه هذه البلدان ازدهاراً اقتصادياً وتوسّعاً في الإنفاق الاجتماعي أفاد الغالبية الساحقة من مواطنيها، وانتشل نسبة كبيرة منهم من الفقر. وبينما يؤكد بعض المراقبين أن الأزمة الاجتماعية الحادة، الاقتصادية والسياسية، هي نتاج "الحرب الهجينة" التي تشنّها الولايات المتحدة وأدواتها على هذه الدول التي تمرّدت على هيمنتها، يوافق البعض الآخر على أن هذه الهجمة الإمبريالية هي حقيقة ملموسة، ولكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أخطاء وإخفاقات خطيرة من جانب الحكومات اليسارية، جعلت الانقضاض على حكمها ومنجزاتها، وعلى الاستقلال النسبي الذي حققته عن المراكز الرأسمالية العالمية، أمراً ممكناً.

طلب ماكري من واشنطن شنّ حملة لتشويه صورة كيرشنر وحلفائها

وفي هذا السياق، يقول الكاتب والسينمائي جون بيلغر، في مقابلة أجرتها معه مجلة "كاونتربانش" الإلكترونية أواخر الشهر الماضي، إن "الديموقراطية الحقيقية هي تهديد للقوة المنفلتة من الضوابط، وبالتالي لا يمكن احتمالها". وكان بيلغر، في الفيلم الوثائقي الذي أنتجه عام 2006 بعنوان "الحرب على الديموقراطية"، قد ركّز على الدور المحوري الذي لعبه الإعلام السائد، بشيطنته الحكومات المتمردة على هيمنة واشنطن في أميركا اللاتينية، كمقدمة لإطاحتها.

"الانقلاب النيوليبرالي الهادئ"

وفق الاقتصادي والموظف السابق في البنك الدولي، بيتر كونيغ، فإن آخر هذه "التدخلات" كان "الانقلاب النيوليبرالي الهادئ" في الأرجنتين، نهاية العام الماضي. في مقالة له على موقع "إنفورمايشن كليرينغ هاوس"، نُشرت مطلع كانون الأول من العام الماضي، يقول كونيغ إن نتيجة الانتخابات في تشرين الثاني من العام نفسه أدت إلى "إخضاع حوالى 42.5 مليون شخص لحكم واشنطن"، بوصول موريسيو ماكري إلى السلطة، وهو الملياردير الذي "تآمرت عائلته مع المصارف الأميركية" لمراكمة جبل الديون في البلد. تغلّب ماكري بشكل مفاجئ على منافسه من الحزب اليساري الحاكم آنذاك، والأخير كان قد اتّبع سياسات انتشلت الاقتصاد المنهار عام 2001، وحقق خلال عهده "نسب نمو مرتفعة، تتراوح بين 6% و8%، وتنمية أعادت توزيع (الثروة والمداخيل) بشكل كبير، مخفّضة نسبة الفقر من 65% عام 2002 إلى أقل من 10% مطلع عام 2015، ووسّعت بشكل كبير الخدمات الصحية والتعليم المجاني في عموم البلاد، بما في ذلك الأرياف، فضلاً عن إنهاء المديونية للخارج".
يسأل كونيغ عن السبب وراء التغيير الكبير والمفاجئ لدى الرأي العام، الذي استفاد بغالبيته الساحقة من سياسات الحكم اليساري، لينقلب إلى تأييد "سياسي نيوليبرالي، وعد بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء"، وذلك قبل أن يستشهد الكاتب بما كشفه موقع "ويكيليكس" من برقيات توثّق طلب ماكري عام 2011 من السفارة الأميركية في بوينس آيريس شنّ حملة ضد (الرئيسة اليسارية كريستينا) كيرشنر، لتشويه صورتها وحلفائها السياسيين لدى الرأي العام. ويستشهد كونيغ بالصحافية الاستقصائية إيستيلا كالوني التي تابعت الانتخابات الأرجنتينية الأخيرة، وكتبت عن "حملة شرسة من التلاعب والأكاذيب وتشويه صورة إرث كيرشنر"، اضطلع بها الإعلام السائد، مصدرها الولايات المتحدة. ويشير كونيغ في هذا السياق إلى دور أساسي لعبه في الأرجنتين "الصندوق الوطني للديمقراطية" NED، الذي تضخّ بواسطته واشنطن مئات ملايين الدولارات إلى "المنظمات غير الحكومية"، إحدى الأدوات "الناعمة" لزعزعة استقرار الدول.
سكتت المنظمات ذات التمويل الحكومي الأجنبي عن سوء إدارة ماكري للمال العام حين كان رئيساً لبلدية بوينس آيرس، وتجاوزه موازنة البلدية بمبالغ ضخمة، وبدئه أشغالاً عامة لا تنتهي أبداً، كذلك سكتت عن مزاعم تحويله مالاً عاماً لمصلحة حملاته الانتخابية، وحتى "قبوله أموالاً من شبكات الدعارة"، وفق كونيغ. وذلك على الرغم من تصريحٍ لماكري، عام 2014، وعد فيه بأن "تنتهي أنشودات حقوق الإنسان" بوصوله إلى السلطة!
وفي مؤشر على ما ينتظر البرازيل وفنزويلا، إن انتصرت فيهما قوى "الثورة المضادة"، أشار الكاتب جاك رازموس، في مقال نشره موقع "كاونتربانش" مطلع كانون الثاني من العام الجاري، إلى مسارعة ماكري، "في غضون أيام من توليه الرئاسة، إلى خفض الضرائب المفروضة على كبار المزارعين والصناعيين بشكل كبير، ورفع الضوابط عن حركة رؤوس الأموال، وخفض قيمة العملة المحلية، البيزو، بواقع 30%، والسماح للتضخم بأن يرتفع، بين ليلة وضحاها، بـ25%، ومنح سندات بقيمة مليارَي دولار أميركي للمضاربين والمصدّرين الأرجنتينيين"، والأخطر من كل ذلك، "استئناف التفاوض مع صناديق التحوّط (الإقراض) الأميركية، كمقدمة لدفع فوائد أعلى من تلك التي رفضتها سابقاً حكومة كيرشنر"، وأيضاً "إنذار آلاف العمال لدى القطاع العام بالصرف الوشيك"!