السبت 26 آذار، يوم خرج برني ساندرز بخطاب متفائل جداً إلى حد الظهور بمظهر المنتصر، قال فيه لمناصريه: "لا تدعوا أحداً يخبركم بأننا لا يمكننا الفوز بترشيح الحزب الديموقراطي، أو في الانتخابات العامة... أنا أؤمن أنه يمكننا ذلك". يومها، لم يكن الكلام لحاكم ولاية فرمونت وحده، بل للأصوات الناخبة في ولايات ألاسكا وواشنطن وهاواي، التي أعطت ساندرز حق القول من خلال فوزه بها، وأربكت كلينتون التي فضّلت عدم التعقيب على النتائج. واصل ساندرز تفاؤله، وفي إحدى المقابلات التلفزيونية رأى أن الوقت سيكون كفيلاً بدفع كبار مندوبي الحزب الديموقراطي إلى تغيير موقفهم لدعمه بدلاً من دعم كلينتون.
هذه الأخيرة لا تزال صامتة بشأن النتيجة الانتخابية الأخيرة، وعلى الرغم من أن البعض صرح بأنه ليس من مصلحتها ــ هي المتصدرة انتخابات الحزب الديموقراطي ــ بأن تواجه هزيمة مدوية في ثلاث ولايات في يوم واحد، إلا أن التحليلات والحسابات التي تتعلّق بعدد المندوبين (الكبار والمنتخبين) بقيت لمصلحتها، مع الأخذ في الحسبان قدرة ساندرز على الخرق وتحقيق مفاجآت. ولكن هل يعني ذلك أن بإمكانه اللحاق بركب كلينتون أو تخطيها؟

تبقى كلينتون
متصدرة بفارق 268
مندوباً منتخباً

قد يستمر المرشح الديموقراطي بالتفاؤل، مروّجاً لعهد جديد من الانتصارات الذي لاح في الأفق، وربما ينقل العدوى إلى مناصريه ويغيّر في نمط تفكير بعض الناخبين، بترديده في المناسبات المختلفة أنه في النهاية سيتخلى المندوبون الكبار عن كلينتون ويدعمونه إلى خط النهاية ليحصل على الـ2383 مندوباً المطلوبين. وإن كان يوم 26 آذار قد فرض واقعاً يساعده على الاستمرار في إشاعة هذا الجو من التفاؤل، إلا أن ما يستند إليه البعض من حسابات الربح والخسارة يوحي بأن المستقبل القريب سيظهر أن الواقع بعيد عن المسار الذي يرسمه ساندرز... بتفاؤله.
دانيال دي بيتريس، أكد هذه النظرية في مقال مفصل في مجلة "ذي ناشونال إنترست"، تحدث من خلاله عن ثلاثة عوائق أساسية تقف أمام تحقيق ساندرز ما يصبو إليه، وهي: المندوبون الكبار، المندوبون المنتخبون وأيضاً التركيبة الديموغرافية. وإن كان يختلف مع غيره من المحللين في تفصيل هذه النقاط، لكن تبقى النتيجة واحدة، وهي أن الطريق صعب ووعر أمام ساندرز، يتطلّب منه مجهوداً مضاعفاً خلال الأشهر الثلاثة الباقية من العمر الانتخابي التمهيدي.
وفي ما يتعلق بالـ"المندوبين الكبار"، تجدر الإشارة إلى أن هؤلاء يعدون خاصية الحزب الديموقراطي، يصل عددهم إلى حوالى 720، وهم قادة الحزب وأعضاؤه في الكونغرس وحكام الولايات. يقرّر "المندوبون الكبار" دعمهم لأحد المرشحين من دون انتخاب، ولكن يحق لهم أن يغيّروا رأيهم مع الوقت إذا ما أرادوا ذلك. وقد حازت كلينتون دعماً يصل إلى أكثر من 70 في المئة من هؤلاء، حتى الآن، بينما ربط ساندرز إمكانية دعمهم له، في المستقبل القريب جداً، بحصوله على عدد كافٍ من المندوبين المنتخبين. دي بيتريس يرى أن المعضلة تبدأ من هذا التفصيل، وهو يذهب إلى القول إن ما يقف أمام ساندرز في طريق حصوله على عدد المندوبين المنتخبين" المطلوب، هي "الحقيقة". فبعيداً عن "المندوبين الكبار" وما يشكله هذا المبدأ من مصدر لتعاسة مناصري ساندرز، تبقى هيلاري كلينتون المتصدرة بفارق 268 مندوباً منتخباً. وما يزيد من صعوبة تخطي ساندرز هذا الرقم، هو النظام الانتخابي المعتمد في الحزب الديموقراطي، الذي يمنح المرشح عدد المندوبين، وفقاً للنظام النسبي، بعكس الحزب الجمهوري الذي يمكّن المرشح من الفوز بعدد المندوبين كاملاً في ولايات معيّنة، إذا ما حقق الفوز أمام منافسيه. دي بيتريس يعتبر، في هذا المجال، أن الطريقة الوحيدة التي قد تمكّن ساندرز من إحداث فرق، هي تحقيقه فوزاً ساحقاً مشابهاً لما حققه في واشنطن وهاواي وألاسكا، وهو أمر دونه عقبات كثيرة وفرص ضئيلة، وخصوصاً مع بقاء أربع ولايات كبيرة فقط، تمنح عدد مندوبين قد يتخطى المئة.
أما الـ2049 مندوباً الباقون والموزعون على الولايات الـ18 المتبقية، إضافة إلى مقاطعات كلومبيا وغوام وبرتريكو والجزر العذراء، فيُجمع مختلف المحللين على أن على ساندرز الفوز بـ57 في المئة منهم، على الأقل، كي يتمكن من الحصول على ترشيح الحزب الديموقراطي للانتخابات العامة.
العنصر الآخر الذي تطرّق إليه دي بيتريس وغيره من المراقبين، من بينهم جون كاسيدي في مجلة "ذي نيويوركر"، هو "التركيبة السكانية". يلحظ هؤلاء أن هذه التركبية غير مؤاتية لساندرز في ولايات كثيرة، حيث حققت كلينتون خروقات في مجتمعات الأقليات، الأمر الذي كان نقطة قوة لمصلحتها. مثال على ذلك، ولايات الجنوب الأميركي، حيث تمكنت وزيرة الخارجية السابقة من اكتساح السباق أمام ساندرز، بسبب وجود نسبة كبيرة من السكان من أصول أفريقية، لا تحبّذ أفكار ساندرز. أما نيويورك (291 مندوباً) حيث تجرى الانتخابات في 19 نيسان، كاليفورنيا (546 مندوباً) ونيو مكسيكو (43 مندوباً) حيث تجرى الانتخابات في 7 حزيران، ميريلاند (118 مندوباً) وبنسلفانيا (210 مندوبين) وديلاور (31 مندوباً) حيث تجرى الانتخابات في 26 نيسان، فكل هذه الولايات تتميّز بنسبة سكانية عالية من اللاتين والسود، وأيضاً معظمها تعدّ داعماً تقليدياً لكلينتون.
أضف إلى ذلك عنصر آخر، وهو أن ساندرز يتميز بأداء أفضل في التمهيديات المفتوحة ــ حيث الناخبون المستقلون يمكنهم المشاركة ــ وأيضاً في المجالس الانتخابية حيث الغالبية من البيض، وهو أمر لم يغفله أي من التقارير المعقّبة على فوزه، والتي ذكر معظمها أن حظوظه تنخفض مع قلّتها، وخصوصاً أن المجالس الانتخابية الوحيدة الباقية أمامه هي فقط في نورث داكوتا ووايومينغ.