تضجّ الصحافة هذا الأسبوع بما سُمّي «أوراق بنما»، التي رُوّج لها على أنها «أكبر تسريب معلوماتي في التاريخ». جرى التركيز على كميّة الوثائق وحجمها على القرص الصلب للكومبيوتر. أُعدّ عدد من الرسوم البيانيّة ذات التصميم الجميل لإظهار أن هذا التسريب أكبر بكثير من تسريبات سابقة أثارت الكثير من الضجيج. لكنّ تقنيات التخزين المعلوماتي تختلف، وهناك تقنيات zipping التي تضغط المعلومات لتسهّل عملية نقلها من دون أن تنتقص من محتواها، لذلك إن رقم ٢,٦ تيرابايت لا يعني الكثير ولا يهمّ كم «فلوبي ديسك» تحتاج لتخزينها (١,٨ مليون بالمناسبة) لأن الفساد يقاس بالدولارات، لا بالتيرابايتات.
أما بشأن عدد الوثائق الذي يفوق ١١ مليون وثيقة، فهو بحسب تعريف عرّابي التسريب (الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، وصحيفة تسود دويتش الألمانية)، مقسّم على ٢١٠ آلاف ملف، وهو عدد الشركات المسجلة عبر مكتب «موساك فونسيكا» للمحاماة في بنما، الذي يُعَدّ واحداً من عشرات المؤسسات التي تختصّ بتسجيل الشركات في دول الملاذ الضريبي. الرقم كبير، وقد احتاج إلى أكثر من سنة، وجهد ٣٧٠ صحافياً من ١٠٧ مؤسسات إعلامية، لفرز الوثائق ــ وفق البيان الصحافي الترويجي للملف.
اللافت بخصوص تلك الأرقام أن عملاً بهذا الحجم، يشمل هذا العدد الهائل من الناس، ظلّ سرّاً لأكثر من سنة، وهو أمر يتباهى به «الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين» لأنه يُظهر حسن إدارته لتسريب بهذه الحساسية.
لكن التدقيق في لائحة المؤسسات الإعلامية الشريكة في مشروع «أوراق بنما»، وزيارة مواقعها، يبيّن أن الكثير من الشركاء لم يكونوا على علم بأنهم شركاء أصلاً. فالخبر الذي نشر مثلاً على صفحة «راديو روزنة» ــ الذي يبث من سراقب في الشمال السوري ــ كان ترجمة عربية للبيان الترويجي، ولم يأتِ على ذكر الشراكة. موقع «عمّان نت» الأردني شريك صامت على ما يبدو، فلا ذكر فيه للأوراق أو للشراكة. «لوغو» ورابط قناة «العالم» الإيرانية يظهر بين الشركاء، بينما كان المقصود موقع «العالم الجديد» العراقي الذي لا معرفة له بالشراكة المفترضة، أيضاً. هذه عيّنة فقط من الشركاء العرب، فيما الشريك في هذا البحث الاستقصائي في زيمبابوي مثلاً هو Voice of America، وهي قناة بروباغاندا رسمية تابعة لوزارة الخارجية الأميركية.
هذا عدا عن أن الكثير من الشركاء الاستقصائيين لا يمتّون للاستقصاء أو للصدقية الصحافية بصلة. فالشريك المصري، أي قناة «النهار» التلفزيونية، كانت ليل الاثنين تؤكد «الخبر العاجل» الذي كان قد سبق لها أن بثته بشأن «وفاة نجم كرة القدم البرازيلي بيليه»، (وهو حيٌّ يرزق).

تسريب مرتّب

في الفيديو الذي بثته صحيفة «تسود دويتش» الألمانية، هناك جزء يعيد تمثيل تبادل الرسائل بين المسرّب المجهول الهوية والصحيفة الألمانية:

مجهول: مرحباً، لديّ معلومات، هل تهمّكم؟
الصحيفة: تهمنا جداً.
مجهول: هناك شرطان. حياتي في خطر. نتواصل عبر ملفات مشفرة فقط. ولن نجتمع أبداً.
الصحيفة: لماذا تريد فعل ذلك؟
مجهول: أريد أن أفضح هذه الجرائم.


الصحيفة الألمانية المذكورة كانت قد تعاونت سابقاً مع «ويكيليكس» في عدة ملفات تسريب، ومنها تسريبات وثائق وزارة الخارجية السعودية خلال الصيف الماضي. لكن الصحيفة ارتأت التعاون مع «الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين» في هذا الملف.
أبرز ملفات التسريب التي نشرها ذاك الاتحاد في السابق كانت وثائق «سويسليكس»، عن الحسابات المصرفية في مصرف HSBC في سويسرا. ومجدداً، يتباهى «الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين» بأنه حمى المصادر عبر استعمال تقنيات التشفير والمصادقة المزدوجة، وهي تقنيات أساسية يستخدمها أي صحافي استقصائي. إذاً، وهنا العبرة التي يُراد تسويقها، أثبتت هذه المؤسسة، التي تموّلها أبرز الصناديق الخيرية الرأسمالية التي تقع مكاتبها في وسط العاصمة الأميركية، قدرتها على نشر «أكبر وأهمّ» تسريب معلوماتي من دون «البهدلة والشرشحة» التي يواجهها الصحافيون، والمصادر، في حالات تسريب «أصغر» وفقاً لمعاييرهم (كتلك التي تولتها «ويكيليكس»، أو صحافيون استقصائيون مستقلون كغلين غرينوالد، ولورا بويتراس).

يأتي نشر الوثائق في توقيت مريب، وهو موسم دفع الضرائب في الولايات المتحدة

الدرس الملقّن هنا هو أن الصحافي الاستقصائي، والبطل المجهول الذي يريد فضح اللصوص، بإمكانهم اللجوء إلى «المحترفين النظيفين» في واشنطن، ولن يواجهوا مصير «المجنون»، جوليان أسانج، اللاجئ في سفارة الإكوادور في لندن، أو «الخائن» إدوارد سنودن، الهارب إلى موسكو، أو أيضاً «الجندية المضطربة»، تشيلسي مانينغ، التي تقضي محكوميتها في السجن.


بركان أيسلندا

بالعودة إلى ما تتضمنه الوثائق، أو ما نُشر منها، فإنّ «الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين» ــ على عكس «ويكيليكس» ــ لا ينوي نشر كامل المادة المسرّبة. وجدير بالذكر، أنه حتى اليوم لا نعرف ما تضمنته تسريبات «سويسليكس» عن المودعين اللبنانيين لأن «الاتحاد» تهرّب من أكثر من طلب لصحافيين في «الأخبار» للنظر في الملفات، وذلك بحجة الانشغال وضيق الوقت.
أولاً، يجب أن نتذكّر أن إنشاء شركة «أوفشور» ليس جريمة. أن يكون لفاسد سوري شركة «أوفشور»، ليس برهاناً على فساده. أما إذا صارت تلك الشركة تتخصص ــ فجأة ــ في ترميم الآثار، ومُنحت عقد ترميم تدمر في مناقصة وهمية، فهذا أمر آخر. نفس الشيء ينطبق على ملك خليجي تملك شركته «الأوفشور» شقة في لندن تبلغ قيمتها مليون جنيه استرليني، أو أكثر، فهو أصلاً يتباهى بأنّ مرحاضه الذهبيّ كلّفه مبلغاً مماثلاً. وأن تتناقل الأوليغاركية الروسية مئات الملايين من الدولارات خارج البلاد ليس خبراً مزلزلاً؛ إمارة أندورا في جبال البيرينيه على الحدود الفرنسية الإسبانية قائمة على التهرّب الضريبي وتتكلّم اللغة الروسية أكثر من الكتالونية الرسمية منذ سنوات.
لا يعني ذلك أبداً أن تسريب «أوراق بنما» ليس له قيمة صحافية. فها هي أيسلندا تنتفض ضد رئيس وزرائها، دافيد غونلاغسن، الذي تبيّن أنه يملك جزءاً من شركة «أوفشور»، لم يصرّح عنها. لكن هنا نبذة عن جزيرة الـ ٣٠٠ ألف نسمة: أيسلندا سجنت ٢٩ مصرفياً لدورهم في الأزمة المالية عام ٢٠٠٨، بينما أنجدت الولايات المتحدة مصرفييها الذين ارتكبوا نفس الممارسات؛ تحمي قوانين أيسلندا الخصوصية المعلوماتية أكثر من أي بلد آخر في العالم؛ يشكل عدد السكان الصغير مشكلة في التزاوج بين الأيسلانديين، ما اضطرهم إلى تطوير تطبيق للهواتف الذكية لتبيان ما إذا كان هناك صلة دم بالشخص الذي تتعارف عليه؛ والطبق الوطني في أيسلندا هو طير البَفِن المدخن وهو من فصيلة البط. فقد يهتف الأيسلانديون «فاهيتا، بَفِن، ارحل يا غونلاغسن»، لكن لن يكون لهذا الحراك مفعول بركان «إيافيالايوكل» الأيسلندي، الذي وصل تأثيره الى خارج البلد الصغير، وسببت ثورته عام ٢٠١٠ أكبر خلل في حركة الطيران العالمي منذ الحرب العالمية الثانية. حجم القضية، والسكوب الصحافي الأبرز في ملف «أوراق بنما» حتى الآن، لا يتخطّى شواطئ جزيرة أيسلندا.

الغيرة على الضرائب

أما في ما يخص موضوع التهرّب الضريبي، والتركيز الإعلامي هنا على الدول الغربية وما تخسره خزاناتها، فإن تسريب ملفات شركة «يونا أويل» الأسبوع الماضي (الذي يكشف بالأرقام رشى ونهباً لثروات دول عدة أبرزها العراق) لم يلقَ أي اهتمام إعلامي، لا في الغرب ولا عند العرب، إذ إنّ المشكلة الحقيقية ليست في «أوفشور» الأفراد، بل الشركات الكبرى وحساباتها الهائلة.
حتى الآن يبدو أن القائمين على «أوراق بنما» لا يريدون فضح الأفراد إلا إذا كانت لهم صلة بأعداء أميركا ويخالفون العقوبات المفروضة من قبل حكومتها. هذا ما يشرح غياب أي مقالات عن رجال أعمال أميركيين وعن شركاتهم المسجلة «أوفشور».
ويأتي نشر الوثائق في توقيت مريب، وهو موسم دفع الضرائب في الولايات المتحدة. وقد صرّح باراك أوباما عن ضرورة الإصلاح الضريبي العالمي وإعادة النظر بنظام «الأوفشور»؛ بينما أعلنت وزارة الأميركية أنها ستنظر جدياً في قضايا الفساد الخارجية التي يمكن أن تكون لها صلة أميركية.
لكن، في الحقيقة، إنّ شركة «آبل» وحدها تحتفظ بـ ١٨٧ مليار دولار نقداً في حسابات مصرفية «أوفشور» لتتهرّب من عشرات المليارات من الضرائب الأميركية؛ وهو يفوق كل التهرّب الضريبي للأفراد أو الشركات الصغرى، وهي تفعل ذلك علناً. لذلك، إنّ افتعال الغيرة على الأموال المهرّبة من الضرائب من قبل الشركاء الإعلاميين القيّمين على «أوراق بنما» يفحّ بالنفاق.
لا شك في أن «أوراق بنما» ستشكل هزة عصا للمتهربين الصغار. أمّا، في المقابل، فستبقى شركة «آبل»، كما مثيلاتها، تسرح وتمرح في الملاذات الضريبية و«على عينك يا تاجر». إذ إنه في واشنطن يحقّ للشركات الكبرى ما لا يحق لغيرها، لا بل قد تتبرّع تلك الشركات لدعم صحافيين استقصائيين ليفضحوا «الفساد».




«ويكيليكس»:
هل نكشف «الأوراق»؟


سألت «ويكيليكس» في استفتاء أجرته، عبر موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي، متابعيها إذا كانوا يريدون منها نشر الـ11 مليون وثيقة المسرّبة التي قامت مجموعة من المؤسسات بفرزها وتقديم تقارير حولها تحت اسم «أوراق بنما». وكانت الخيارات المتاحة: «نعم، اجعلوها قابلة للبحث»، أو «لا، دعوا الإعلام ينتقي ما يريد».
وجاء ذلك في ظل تزايد الشعور بالريبة حول الأسباب السياسية التي تقف خلف التسريبات من مكتب «موساك فونسيكا» للمحاماة في بنما الذي يقدّم خدمات إنشاء شركات «أوفشور». وقد نشرت مجموعة من المؤسسات الإعلامية تقارير عن محتوى انتقائي من الوثائق، طاولت زعماء بعض الدول كالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وزعماء وسياسيين ومشاهير، فيما لم تكشف عن أسماء أصحاب الشركات والمصارف الكبرى المتورطين في قضية التهرّب من الضرائب.
وفتحت على إثر ذلك تحقيقات في دول عدة مثل باكستان وأوستراليا، بينما استقال رئيس الحكومة الأيسلندي، سيغموندور غونلوغسونن، بعد كشف التقارير عن امتلاكه وزوجته شركة «أوفشور» في جزر بريطانيا العذراء، يخفي من خلالها الملايين من الدولارات.
(الأخبار)