«لقد فشلنا»؛ بهذه العبارة لخصت الأمم المتحدة تقريراً نشرته في شهر كانون الأول عن سلسلة اعتداءات جنسية قام بها جنود في قوات حفظ السلام حول العالم، وخاصةً في البلدان الأفريقية. ويبدو أن المنظمة تواصل تسجيل الإخفاقات، إذ أعلنت تنزانيا، مطلع الأسبوع، أنها تحقق في اتهامات طاولت عدداً من جنودها المشاركين في قوات حفظ السلام في شمال شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية، اغتصبوا خمس نساء وست فتيات.
ووفق تقرير نشره، الأسبوع الماضي، الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، فإن اتهامات بـ«جرائم جنسية» وجهت إلى عسكريين وأفراد أثناء عملهم في بعثات للأمم المتحدة في 21 دولة. وأفاد التقرير بأن معظم ادعاءات 2015 (69 ادعاءً) تشمل أفراداً في عشر بعثات لحفظ السلام، مقارنةً بتسجيل 80 ادعاءً في 2014.
وبينما كان بان كي مون قد وصف الجرائم الجنسية المرتكبة بـ«الورم السرطاني» الذي يأكل منظومة الأمم المتحدة، إلا أنه يُعتقد بأن الرقم الحقيقي للادعاءات أعلى من ذلك بكثير، إذ إن معظم الأطفال والنساء يلتزمون الصمت خوفاً من العار الذي سيلاحقهم، ومن أراد منهم الحديث فإنه يجهل كيفية التواصل مع الجهات المعنية.

معظم الضحايا يلتزمون الصمت خوفاً من العار الذي سيلاحقهم

«في بلدان تكون فيها المرأة فريسة للجماعات المسلحة، على جنود قوات حفظ السلام أن يكونوا حماة، وليس حيوانات مفترسة»، بهذه العبارة علّقت الباحثة في حقوق المرأة في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، هيلاري مارغوليس، على تقارير «مؤلمة» كشفت عن عشرات حالات اغتصاب قام بها أفراد من قوات حفظ السلام.
ومن ضمن الشهادات الصادمة في هذا المجال، يبرز ما أشارت إليه تقارير صحافية نشرتها صحف بريطانية وفرنسية، واستندت إلى خلاصات وفد من بعثة الأمم المتحدة توجّه إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، وتحدث مع عشرات الناجيات، واستمع إلى ادعاءات «مرعبة» ضد قوات حفظ السلام الأممية. ووفق ما نقلت «أندبندنت» البريطانية عن متحدث باسم الوفد، فإن ثلاث فتيات قلن إنه تمّ تقييدهن ونزع ملابسهن في مخيم عسكري من قبل قائد عسكري فرنسي شارك في عملية «سانغاريس» في 2014، ثمّ أجبرهن على ممارسة الجنس مع كلب، وأعطى كل منهن حوالى ثمانية دولارات. وأضافت الناجيات أن فتاة رابعة كانت معهن توفيت بمرض «غريب وغير معروف»، وذلك بعد فترة من إجبارها على ممارسة الجنس مع كلب. فيما ذكرت واحدة منهن أن المجتمع كان يطلق عليها اسم «كلبة سانغاريس».
وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» قد أجرت مقابلات مع 98 فتاة تعرضن لاعتداءات جنسية من قبل قوات حفظ السلام، في إقليم واحد من جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث يتمركز 10 آلاف جندي أرسلتهم الأمم المتحدة عقب أزمة 2013، وهم من بلدان مختلفة.
وتتكرر الاتهامات ضد القوات الفرنسية، على وجه الخصوص. ففي تقارير سابقة، أفاد مسؤولون في الأمم المتحدة بأن طفلاً يبلغ من العمر 7 سنوات، وطفلةً عمرها 9 سنوات، تعرضا لاعتداءات جنسية من قبل قوات حفظ السلام الفرنسية، وبأنهم يعرفون «الكثير من الأطفال» الذين تعرضوا لانتهاكات من قبل تلك القوات.
وسبق أن واجه 14 جندياً فرنسياً، كانوا يشاركون في عملية «سنغاريس»، بين أواخر 2013 و2014، تهماً مماثلة، وتمّ إثبات التهم على ثلاثة منهم بعد شهادات الأطفال المعتدى عليهم، في قضية قال وزير الدفاع الفرنسي، جان إيف لودريان، إنها «تسيء إلى سمعة الجيش الفرنسي وتشوّه صورة فرنسا».
كذلك، توّجه أصابع الاتهام إلى القوات الأوروبية. إذ إنّ مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، زيد رعد الحسين، دعا إلى التحقيق في تقارير «مقززة» تفيد بأن أعضاء من قوات تابعة للاتحاد الأوروبي في أفريقيا الوسطى، اغتصبوا فتاتين، ودفعوا المال لفتاتين أخريين لممارسة الجنس.
كل تلك الادعاءات دفعت المنظمات الحقوقية إلى التشكيك بقدرة الأمم المتحدة على حماية الفتيات والنساء. ولأن الجنود في قوات حفظ السلام يتمتعون بالحصانة، ولا يسمح القانون الدولي بمحاكمتهم خارج بلدانهم، فقد حثّ بان كي مون تلك البلدان على العمل سريعاً لمساءلة المتهمين ومحاسبتهم، وأقال مبعوثه الخاص إلى أفريقيا الوسطى، معتبراً أن هذا الملف «يهدد مستقبل عمليات حفظ السلام».
ولكن تبقى الإجراءات التي تتخذها الأمم المتحدة لمعالجة هذه المعضلة غير كافية، وبيروقراطية، وعاجزة عن وضع حد للانتهاكات التي يقوم بها جنود أرسلوا إلى تلك البلدان لحماية مجتمعاتها.





هولاند: شرف فرنسا على المحك

لا يمكن وضع ما ذكر في خانة الادعاءات. إذ فضلاً عن التقارير الصادرة عن منظمات وهيئات تابعة للأمم المتحدة، فإنّ ما يُثار بشأن انتهاكات جنود فرنسيين، اضطر الرئيس، فرنسوا هولاند، إلى أن يتحدث عن الملف من واشنطن، حيث كان يشارك في بداية الشهر الجاري في «قمة الأمن النووي».
ورأى هولاند أنه في حال ثبوت الادعاءات بتورط جنود فرنسيين في تجاوزات جنسية في أفريقيا الوسطى، فإن «شرف فرنسا هو الذي سيكون على المحك». وقال: «لا أستطيع القبول بأن تتعرض سمعة جيشنا، وبالتالي سمعة فرنسا، لأي إساءة». وأضاف أنّ «شرف فرنسا هو الذي سيكون على المحك في هذه الحالة، لذلك كان لا بد لرئيس الدولة من أن يؤكد شخصياً ضرورة الوصول الى الحقيقة كاملة، وعلى رفض أي تسامح» في هذا الإطار.
وفي بداية الأسبوع الجاري، أكد رئيس ديوان الأمين العام للأمم المتحدة، إدموند موليه، التزام المنظمة الدولية «بالتصدي لقضية الاعتداء والاستغلال الجنسيين من قبل عناصر في قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام». وأثناء إفادته للجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد أن «تقارير أعمال الاستغلال والاعتداء الجنسيين ما زالت تتكشف في جمهورية أفريقيا الوسطى وغيرها من الدول»، مشيراً إلى أنّ «الغالبية العظمى من الضحايا من الأطفال».