بعد بدء تنفيذ الاتفاق النووي، في 17 كانون الثاني الماضي، اتخذت الولايات المتحدة منعطفاً مختلفاً عن بقية الأطراف الموقّعة عليه. حثّت الخطى عبر الطرق الملتوية التي غالباً ما تعتمدها، بهدف الحفاظ على قدرتها على ممارسة لعبتها المفضلة ــ أي السيطرة ــ من خلال تحجيم قدرة إيران، والسعي إلى ليّ ذراعها، طالما أن الفرص سانحة لذلك.
الأمر لم يعد يتمثل في عقوبات على البرنامج النووي؛ هذه المرة الأرضية المتوفرة هي العقوبات المرتبطة بـ«نظام إيران الصاروخي، وحقوق الإنسان، وأنشطتها الإرهابية»، وفق التسمية الأميركية، والتي تستخدمها كأداة لتخويف حلفائها الأوروبيين وثنيهم عن التعامل مع طهران.
ولكن مع تقدم الوقت ومرور أكثر من شهرين على الانطلاق في تنفيذ الاتفاق، تحوّل الأمر إلى مصدر إزعاج وحنق، ليس بالنسبة إلى الإيرانيين فقط ولكن إلى الأوروبيين أيضاً. لذا، كانت زيارة رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي لطهران، مناسبة ليعبّر خلالها المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي عن الامتعاض من السلوك الأميركي، متهماً واشنطن بإعاقة تنفيذ الاتفاق النووي وممارسة الضغوط على الدول الأخرى لمنعها من التواصل مع طهران.
أمر كان قد صرح به السفير الإيراني في ألمانيا علي ماجدي، الشهر الماضي، قائلاً إن «العقوبات الأميركية لا تنفك تبرز كمشكلة، عندما تحاول إيران العمل مع المصارف الأوروبية الكبرى». كذلك، تطرق إليه رئيس غرفة التجارة الإيرانية ــ الصينية، أسد الله أصغر أولادي، متحدثاً عن وفد تجاري أتى من هونغ كونغ إلى طهران. وقال أصغر أولادي «تحدثنا لمدة ساعتين، ولكنهم كانوا خائفين من البدء بالتعاون»، مضيفاً «لقد قيل لهم إن إيران تشكل خطراً للقيام بأعمال تجارية».
يتردد هذا الواقع على لسان مصادر إيرانية تشير إلى أن «الأميركيين يخيفون الأوروبيين من التعامل مع إيران»، ويحذرونهم من «المراهنة على الاستقرار فيها». إلا أن المصادر ذاتها تؤكد أن أمراً كهذا أُخذ في الحسبان، وستواجهه طهران بالاستمرار في الاعتماد على «الاقتصاد المقاوم» للتكيّف مع المرحلة. وتوضح أن «الدليل على ذلك أن إيران وضعت ميزانية للعام الحالي أقل من العام السابق»، مع الأخذ في الحسبان انخفاض أسعار النفط.
الأوروبيون، من جهتهم، لا يتركون مناسبة تجمعهم مع الأميركيين إلا يسعون خلالها إلى استيضاح المدى الذي يمكن أن يذهب إليه هؤلاء في مساعيهم للتأثير على العلاقات التجارية مع أحد أهم شركائهم التجاريين في مرحلة ما قبل العقوبات. وفي اجتماعات في واشنطن وعواصم أوروبية، حاول المسؤولون الحصول على «ضمانات» و«إيضاحات» من ممثلي وزارة الخزانة، قد توفر للمصارف الأوروبية بعض الشعور براحة البال من أنهم لن يُعاقبوا، بسبب تمويلهم صفقات مع إيران. ولكن في ظل عدم الانفتاح الأميركي، يبقى أن الشركات الأوروبية لن تعرف كيف ستطبق الولايات المتحدة العقوبات، إلا إذا ما غُرّمت إحداها.
بناء عليه، واستناداً إلى ما يجري تداوله في الإعلام الأوروبي، يظهر أن الغموض والتلكؤ الأميركي عن تقديم إيضاحات، يشكل عقبة كبيرة أمام الشركات والمصارف الكبرى، وهو ما دفع عدداً من المديرين التنفيذيين في الشركات التجارية الكبرى، خلال «قمة فايننشل تايمز العالمية للسلع»، إلى مطالبة الولايات المتحدة بتوضيح موقفها من العقوبات على إيران. ولفت هؤلاء إلى أن شركاتهم لا تزال تنظر إلى إيران بعين حذرة، ومنهم الرئيس التنفيذي لشركة «غونفور غروب»، توربورن تورنغفيست، الذي قال إن «واشنطن لم تقم بأي جهد من أجل تسهيل أو توضيح ما يجري».
صحيفة «ذي غارديان» تحدثت، أيضاً، عن اجتماع أوروبي مع وفد من وزارة الخزانة الأميركية في فرانكفورت، الشهر الماضي، حضره مندوبون تجاريون ألمان ومسؤولون إيرانيون في وزارة الخارجية. يومها، أتى الحل الوحيد الذي طرحه ممثلو الولايات المتحدة، على شكل نصيحة للشركات الأوروبية، بالقيام بواجبها «قبل غمس إصبعها في صفقة ما مع إيران». وأوصى الأميركيون حلفاءهم الأوروبيين بأن يقوموا بتوظيف محامين.
أحد كبار المفاوضين الأميركيين النوويين مع إيران، ريتشارد نيفيو، توسّع في نصحه للأوروبيين، وقال لهم «افحصوا ما يمكنكم فحصه، حافظوا على سجلاتكم، كونوا قادرين على تقديم قضيتكم». ولكن تطبيق ذلك في الواقع ليس بهذه السهولة، ولا سيما أن العديد من الشركات تدرك أن تكاليف العناية والحيطة ستكون مرتفعة للغاية بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وأيضاً بالنسبة إلى الموردين المهتمين في التعامل مع إيران لمرة واحدة. لذا، جاء الرد مليئاً بالغضب، فقد عقّب أحد المشاركين على هذا الطرح قائلاً إن «هذا الأمر محبط بالنسبة إلى أي شخص يريد أن يقوم بصفقة لمرة واحدة بقيمة مليون دولار».
في الفترة ذاتها، عبّرت صحيفة «بوليتيكو» عمّا يمرّ به الأوروبيون من إحساس بالعجز ومن عدم القدرة على التحرّك، قائلة «على الرغم من أن الطريق مفتوح أمام الشركات الأوروبية للقيام بأعمال تجارية مع إيران، إلا أنها لا تزال تمر عبر واشنطن».
الصحيفة الأميركية ذكرت أن «ما يزعج القادة الأوروبيين هو أن وزارة الخزانة الأميركية تقطع السبل أمام الشركات الأوروبية، التي تسمح لها بإعادة العلاقات التجارية مع إيران». وأشارت إلى أن «الخلاف بشأن العقوبات يعكس التوترات بين أوروبا والولايات المتحدة في ما يتعلق بإيران، البلد الذي طالما نُظر إليه على أنه شريك تجاري حيوي للعواصم الأوروبية، ولكنه عدو لدود لكثيرين في واشنطن، منذ الثورة الإيرانية عام 1979».
التصرّف الأميركي دفع بالحليف الأوروبي إلى استرجاع سلوك واشنطن السابق، الذي كان سبباً في تضرّر مصالح الأوروبيين «وليس الأميركيين، لأنه لم تكن لدى هؤلاء علاقات دبلوماسية مع إيران، منذ عام 1979»، بحسب ما يفيد أحد المسؤولين الأوروبيين الصحيفة.
ألمانيا، مثلاً، تأمل أن ترفع مستوى التجارة مع إيران إلى ما قبل العقوبات، عندما كانت طهران الشريك الاقتصادي الأساسي لبرلين في الشرق الأوسط. وقد فتح الاتفاق النووي الباب أمام العديد من صناعات هذا البلد إلى إيران، إلا أن الشبكة المعقدة من الإجراءات والعقوبات تشكل عائقاً أمام إيجاد المصارف التي تقبل بالقيام بخدمات التعاملات المالية مع إيران. وقد تطرّق المدير العام لاتحاد الصناعات الألمانية ماركوس كربر إلى هذا الموضوع، قائلاً إن «المصارف، في الوقت الحالي، لن تذهب إلى أي مكان قريب من إيران. حتى إن أي مدير مصرف عاقل لن يبحث عن إيران على الخريطة».

ارتأت طهران التداول باليورو لقبض مستحقاتها الضخمة من الهند وغيرها من مستوردي النفط

المسميات التي يمكن أن تستخدمها الولايات المتحدة لجعل الأوروبيين يفكرون أكثر من مرة قبل الإقدام على التعامل مع إيران، كثيرة، وهي عدم القدرة على التعامل بالدولار، ونظام الـ«سويفت»، وغيرها.
إيران، من جهتها، لجأت إلى حلول قد تساعدها على تخطي الكثير من المشاكل والعقبات في هذا المجال، فارتأت التداول باليورو بدل الدولار لقبض مستحقاتها القديمة الضخمة من الهند، وأيضاً غيرها من مستوردي النفط، إضافة إلى إصدار مبيعات النفط الجديدة باليورو، لتقليل اعتمادها على العملة الأميركية.
وبحسب ما أشار إليه أحد المصادر لوكالة «رويترز»، فإن هذه الخطوات التي تأتي بعد رفع العقوبات الدولية عن طهران، تعتبر استمراراً للسياسة التي وضعها المصرف المركزي الإيراني، حين كانت البلاد تحت العقوبات التي تقضي بإجراء التعاملات التجارية الخارجية باليورو.
أما بالنسبة إلى نظام «سويفت» (مقره بلجيكا) الذي يستخدم في تحويل المدفوعات وخطابات الائتمان، فقد أعيد ربط المصارف الإيرانية به، بعد قطعها عنه عند فرض عقوبات أوروبية على إيران، قبل أربع سنوات. لكن محمود زيباعي، وهو مسؤول في إدارات أنظمة المعاملات المرسلة من قبل مصارف إيرانية عبر نظام «سويفت»، قال لـ«فايننشل تايمز» إن المصارف الأجنبية لا تزال «قلقة من مخاطر» التعامل مع إيران. وأضاف: لتبديد هذه المخاوف، شجع المصرف المركزي بقية المصارف الإيرانية على استخدام أنظمة «اعرف عميلك» والامتثال لعقوبات «سويفت».
مع ذلك، تنظر الكثير من الشركات، الأوروبية وغير الأوروبية، إلى أن أكثر القيود الأميركية تأثيراً هي العقوبات التي تنص على منع المصارف من القيام بأي تعاملات مع إيران بالدولار، وهو ما يؤثر سلباً على أي مصرف يتعامل بالعملة الأميركية. وتنطلق المخاوف لدى المصرفيين، في هذا الإطار، من العقوبات التي وُضعت خلال فترة إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، في عام 1995، حين جرى شطب إيران عن النظام المالي الأميركي. ولكن ذلك لا يمنع من إيجاد ثغرة قد تسمح للمؤسسات المالية الأميركية بالقيام بخدمات مصرفية وتسهيل معاملات تستفيد منها كيانات إيرانية، وهو ما قد يلجأ إليه البعض، بتمرير هذه التعاملات عبر طرف ثالث.
إلا أن هذا الحل لا يرضي مصرف «بيركليز» البريطاني مثلاً. فبحسب ما أفادت به صحيفة «فايننشال تايمز»، في شباط الماضي، أرسل رئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون كتاباً إلى المصرف، مطالباً إياه بشرح سبب رفضه التعامل مع إيران، بالنيابة عن إحدى الشركات البريطانية الكبرى التي كانت تريد القيام بأعمال تجارية هناك. رد المدير التنفيذي للمصرف جيس ستايلي، وقتها، بالقول «بما أننا نقوم بتقديم الخدمات المصرفية (عبر مركز التداول الأساسي في مانهاتن)، فإننا مطالبون بمواصلة تقييد النشاط التجاري مع إيران».