إسطنبول | لم يكن الاستقبال والاهتمام الشخصي من الرئيس رجب طيب أردوغان تجاه نظيره الإيراني حسن روحاني، في قصره «العظيم»، كافيين لتحقيق التوازن مع علاقته بالملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، الذي استقبله أمام سلّم الطائرة في مطار أنقرة مع عدد كبير من المسؤولين الأتراك. هذا الفارق «البسيط» بين الاستقبالين كان كافياً لتحديد الفرق بين السعودية وإيران بالنسبة لأردوغان. فقد أعلنت تركيا على عجلٍ انضمامها لـ«التحالف الإسلامي»، عندما زار رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو، الرياض مطلع العام الجاري، برفقة رئيس الأركان أتيلا آكار. وسبقت هذه الزيارة زيارات متتالية لأردوغان إلى المملكة التي لم يحالفها الحظ في تحقيق المصالحة بين القاهرة وأنقرة التي تحتضن كل قيادات «الإخوان» المصرية في اسطنبول، في وقت لم تتردد فيه الرياض في إعلان جماعة «الإخوان» تنظيماً إرهابياً رغم الدعم القطري والتركي له.

ويكفي هذا التناقض الواضح لعكس الصورة الحقيقية لحجم وخفايا العلاقة المصلحية بين أنقرة والرياض، التي كانت سخية في مساعداتها المالية الشخصية لأردوغان. وبحسب الإعلام التركي، فإن ما يجمع أردوغان مع ابن سلمان ليس المال فقط، بل العدو المشترك وهو الرئيس السوري بشار الأسد، ومن يقف معه مثل إيران «الفارسية»، العدو التاريخي للدولة العثمانية. ودون أن يتذكر الجميع ان هذه الدولة «الفارسية» كانت في عهد الشاه حليفاً استراتيجياً لآل سعود في حربهم ضد الإمام البدر في اليمن بين عامي١٩٦٢ و١٩٦٨. كما كانت حليفاً لأنقرة في عهد عدنان مندريس في فترة ١٩٥٠-١٩٦٠، حيث كان التآمر الإقليمي على سوريا ومصر بالتنسيق والتعاون مع آل سعود.
كل هذه المعطيات تكفي للكشف عن عدم صدقية العلاقة التركية مع إيران، وهو ما أراد أردوغان الإشارة إليه خلال مؤتمره الصحافي مع الرئيس روحاني، حيث منع الصحافيين من توجيه أي سؤال، لتجنب أي إحراج، وخاصة بعد دوره في قرار القمة الإسلامية ضد إيران وحزب الله وسوريا واليمن. فالجميع يعرف أن أردوغان لن يتخلى عن تحالفاته الاستراتيجية مع الرياض، مهما حملت من تناقضات في قضايا كالملف المصري، مع الانتباه لأهمية العلاقة الاقتصادية والتجارية مع طهران، التي توليها الأخيرة أيضاً أهمية بالغة، من دون التخلي عن موقفها في سوريا والمنطقة عموماً.
وفي الوقت الذي يستمر فيه الحديث سراً عن تفاصيل قضية رجل الأعمال الإيراني رضا زراب، بطل قضايا الفساد التي انفجرت في كانون الأول ٢٠١٣، وتورط فيها نجل أردوغان وعدد من وزراء حكومته والمقربين منه. زراب اعتقل الشهر الماضي في أميركا بتهمة مخالفة قانون العقوبات على ايران، بعد قيامه بتهريب عملات أجنبية وذهب اليها من تركيا بالتنسيق مع صديقه بابيك زانجاني، الذي حكمت محكمة إيرانية عليه بالإعدام في الخامس من آذار الماضي، قبل يوم واحد من زيارة داوود أوغلو المفاجئة إلى طهران. يراهن الجميع على ما سيقوله زراب خلال محاكمته في نيويورك نهاية الشهر الجاري، لما لهذه المعلومات من تأثير على الموقف الأميركي المحتمل ضد أردوغان، اذا أدلى بمعلومات وافية عن علاقته ومسؤولين أتراكا بعمليات الفساد (حجمها ليس أقل من ١٠٠ مليار دولار) التي يتحدث عنها الإعلام التركي إلى جانب علاقات أردوغان الخفية مع آل ثاني، أصحاب المصالح المالية والاقتصادية الضخمة في تركيا.
أردوغان لا يفوّت منذ بداية الأزمة السورية أي فرصة لمهاجمة إيران، مشيراً إلى أن دعمها للرئيس الأسد هو السبب الأساسي للأزمة السورية، من دون التردد في الحديث عن هذه القضايا من منطلقات طائفية إرضاءً لآل سعود وآل ثاني، الذين يَرَوْن فيه كما كانوا يَرَوْن في الرئيس العراقي السابق صدام حسين، سندهم الوحيد لتحقيق أهدافهم في مواجهة إيران، ولتحقيق التوازن في تحدياتهم مع العواصم الغربية التي لم تعد تخفي انزعاجها من سلوكياتهم وحليفهم أردوغان، الذي يتهمه زعماء المعارضة بأنه يسعى لتحويل تركيا إلى مملكة شرق أوسطية كممالك الخليج، دون أي معارضة سياسية أو إعلامية، حتى لا يتسنى لأحد أن يذكّره بتناقضاته اليومية، التي أصبحت عادة اكتسبها بعد صداقاته الحميمة مع الملوك والأمراء، والتي تدغدغ مشاعر الجيوب!
كذلك، تبقى الحسابات الداخلية عنصراً مهماً في سياسات أنقرة التي سيقرر أردوغان شخصياً مصيرها، على أساس علاقاته العقائدية مع الجماعات «الإخوانية» المسلحة في سوريا، التي لن يتخلى عنها بسهولة. ودون أن يبالي بالمخاطر التي تحدق بتركيا في ما يخص المشكلة الكردية التي يرفض أردوغان التحاور من أجلها مع دمشق، صاحبة القرار في ما يتعلق بتقرير مصير «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي ووحداته المسلحة. ويرى أردوغان في تلك «الوحدات» خطراً لكونها «امتدادا لحزب العمال الكردستاني» وبسبب الدعم الأميركي والغربي لها، على الرغم من تهديدات وتحذيرات وإنذارات أنقرة. إذ لم تمنع هذه المواقف «العنيفة» وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، من القول خلال لقائه مع نظيره الأميركي جون كيري، وقبل يوم واحد من لقاء أوباما مع أردوغان، إن «تركيا لن تضحي بعلاقتها مع الحليفة واشنطن من أجل مشكلة بسيطة وهي الاتحاد الديمقراطي السوري». ودون أن يوضح لماذا تستمر أنقرة في اعتراضها على مشاركة هذا الحزب في مباحثات جنيف!