لم تمرّ ثلاثة أشهر على بدء ديلما روسيف ولايتها الرئاسية الثانية عام 2014، حتى خرجت تظاهرات تطالب بإقالتها، إذ رأت المعارضة أنها فازت بالانتخابات "بالخداع والكذب على الشعب". لكن ربما لم تكن المعارضة بحاجة إلى تلك الحجج ولا إلى تنظيم انقلاب لإضعاف روسيف والسعي إلى إخراجها من السلطة. فقد جاء عهد خليفة الرئيس البرازيلي السابق، لولا دا سيلفا، ليعاكس تقريباً معظم ما أنجزه سلفها، وهو الواقع الذي أفقد "حزب العمّال" (الحاكم) شعبيته التي راكمها لأكثر من عشر سنوات.
يختلف الواقع الاقتصادي جذرياً بين عهدي لولا (خاصة مرحلة 2007 - 2010) وعهدي ديلما، وفق ما يشرح الكاتب والمؤرخ بيري أندرسون، في مقالة (رصينة) نشرت له أخيراً. اعتمد الاقتصاد البرازيلي في عهد دا سيلفا على صعود أسعار السلع بعد عام 2000، وازدهار الاستهلاك الداخلي، إضافةً إلى سياسات إنتاج الفائض الأولي التي ساعدت على إدارة الدين العام، وسياسات محاربة التضخم. وساعد الازدهار الناتج من تلك السياسات، وطلب الصين (وغيرها) الكبير على صادرات البرازيل من المواد الأولية وغيرها، دا سيلفا، في تطبيق برامج اجتماعية واقتصادية تنموية كان من شأنها انتشال نحو 29 مليون برازيلي من الفقر إلى حدود الطبقة الوسطى، ودعم التعليم، وزيادة المساعدات الحكومية.
لكن البرنامج الاقتصادي الذي هندسه لولا، وكاردوسو قبله، كان يعاني مشكلة بنيوية أساسية، هي الاعتماد المفرط على الطفرة في أسعار السلع وعلى الاستهلاك الداخلي لإبقاء الاقتصاد قيد الازدهار. فيما المعروف عن ظاهرة صعود أسعار السلع (وهي ظاهرة منبثقة من طبيعة النظام الرأسمالي الذي ينتج الأزمات بطبيعته كجزء من دورة إعادة إنتاجه)، أنّه لا بد أن يعود وينزلق.
يشير بيري أندرسون إلى أنه في آخر عام من ولاية دا سيلفا الثانية نما الاقتصاد البرازيلي بنسبة 7.5 بالمئة، فيما كان الاقتصاد العالمي منكمشاً إثر أزمة 2008 المالية. لكن ذلك اعتمد أساساً على قدرة الصين على الحفاظ على طلبها من صادرات البرازيل (وغيرها) إثر سياسات اقتصادية ومالية اتخذتها بكين لتحاشي آثار الأزمة.

فرضت روسيف سياسات تقشف "فرضتها الضرورة" في بداية الولاية الثانية

ويشرح أندرسون أنه عندما تسلّمت ديلما روسيف الرئاسة عام 2010، ضبطت السياسات الاقتصادية لتجنب حدوث فائض في القدرة الإنتاجية، بصورة لا تتماشى مع الطلب الكلّي. لكن مع هبوط النمو (نحو 2.8% عام 2011)، وعودة شبح الأزمة المالية عالمياً، قررت حكومة ديلما تغيير سياساتها بهدف دعم الاستثمار من أجل تحقيق التنمية المستدامة. خفضت أسعار الفائدة، فزادت قروض القطاع الخاص من البنوك، وخفّضت تكاليف الكهرباء، كذلك خفضت قيمة العملة والقوانين التي تتحكم بتحركات رأس المال.
إبان تلك الفترة، حصدت ديلما شعبية كبيرة، إلّا أن المؤشرات الاقتصادية استمرت بالانخفاض، فوصل النمو في عام 2012 إلى 1% والتضخم إلى 6%، بحسب أندرسون. وفي عام 2014 لم ينم الاقتصاد إلّا بنسبة 0.1%. لم يكن أمام ديلما، في إطار الحلول المطروحة، إلّا فرض سياسات تقشّف شهدت إثرها البرازيل تظاهرات واسعة، خصوصاً في عام 2013.
وعلى الرغم من خسارتها لجزء من شعبيتها، فقد تمكنت ديلما روسيف خلال انتخابات 2014 بالفوز بالرئاسة لولاية ثانية، لكن بفارق ضئيل عن أقرب منافسيها، ايسيو نيفيز. اعتمدت خليفة لولا ومرشحته لولاية ثانية على مهاجمة خصمها من باب نيته خفض الإنفاق الاجتماعي وضرب الفقراء، ووعدت الشعب البرازيلي بالعمل المستمر لتحسين جودة حياة البرازيليين (وهو وعد لم يكن بإمكانها أن تفي به أصلاً). وبوصولها إلى الحكم، فرضت سياسات تقشف شديدة، "فرضتها الضرورة"، وفق قولها. فأصبحت الخطة: تقليص الائتمان من البنوك العامة، بيع ممتلكات الدولة في المزادات، ورفع الضرائب لإعادة الميزانية إلى تحقيق الفائض الأولي. وقام البنك المركزي بعد ذلك بقليل برفع أسعار الفائدة إلى 14.5%، وفق الاستعراض الذي يقدمه أندرسون في مقالته.
كان من شأن سياسات التقشف التي فرضتها حكومة ديلما، في ظل توقف مؤشرات النمو الاقتصادي، أن تدخل البلاد في ركود كامل: انخفاض الاستثمارات والرواتب، تضاعف نسبة العاطلين من العمل، انخفاض عائدات الضرائب، وتفاقم العجز والدين العام.
اليوم، في ظل محاولات البرلمان، بقيادة نائب رئيس البلاد، ميشال تامر، إقالة ديلما والانقلاب عليها، جدير بالإشارة إلى أن البورصة البرازيلية شهدت انتعاشاً (غريباً) مع زيادة الاستثمارات فيها بنحو 40%! وذلك أملاً، على ما يبدو، بأن يتسلم الحكم رئيس أقل تشدداً تجاه آليات السوق مقارنة بديلما و"حزب العمّال". كذلك ارتفع سعر صرف الريال البرازيلي مقابل الدولار 1.5% مباشرةً بعد تصويت البرلمان يوم الأحد. وترافق ذلك مع زيادة (مؤقتة على الأغلب) في أسعار السلع.
ومع الزيارة المتواصلة منذ يومين للسيناتور المعارض (البارز)، ألوسيو نيفيز، إلى الولايات المتحدة، كموفد من قبل تامر، قد يجلب "الانقلاب" استثمارات أميركية، وما يأتي معها من "إصلاحات" تحرر السوق من قيود الدولة. أما المؤكد، فهو انتهاء عهد لولا، وإقبال البرازيل على مرحلة نيوليبرالية، كغيرها من بلاد أميركا اللاتينية (والعالم النامي عامةً).